0
صورة الجنود الأربعة التي عرضها بيان أبي عبيدة
أواخر الشهر الماضي، مارس (آذار) 2016، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» عن أنّ جهود حكومته لا تتوقف بشأن قضية الجنود المفقودين في غزة، عقب انتهاء الحرب الأخيرة، صيف 2014، خصوصاً بعد نشر «القسام» صور جنود إسرائيليين مفقودين وأنه تلقى إشارات توحي بتطور المسار في هذه القضية، دون الكشف عن طبيعتها.

أثار إعلان نتنياهو العديد من التساؤلات حول احتمال عقد الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مفاوضات بشأن المفقودين، والأسرى الفلسطينيين، دون الإفصاح عن وساطة. بيد أن ظهور «أبي عبيدة«، الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، في بيان تليفزيوني مقتضب، مطلع الشهر الجاري، دحض الرواية الإسرائيلية.

البيان المقتضب جاء ردًا على تصريحات نتنياهو؛ لينفي وجود أي اتصالات تتعلق بالجنود الإسرائيليين، فضلًا عن أن المعلومات بشأن مصير الجنود الأربعة، لن تحصل عليها القيادة الإسرائيلية مجانًا.

في كلمة أبي عبيدة المتلفزة، والتي أظهرت للمرة الأول صورًا لأربعة من جنود الجيش الإسرائيلي، قال: إن نتنياهو«يكذب على شعبه، ويضلل جمهوره، وأهالي وذوي جنوده الأسرى»، في إشارةٍ إلى عدم وجود مفاوضات، قد تُعلن قريبًا، بشأن الأسرى والمفقودين بين الجانبين بعد.

وبالتالي، فإنّ بدء الحديث عن مفاوضات بشأن ملف الأسرى، يُلزم إسرائيل، كشرط تضعه المقاومة، الإفراج عن أسرى صفقة «وفاء الأحرار«، والذين تم اعتقالهم على فترات متقطعة خلال الأعوام القليلة الماضية، والبالغ عددهم 73 أسيرًا.

تحريك المياه الراكدة

تعقيبًا على ذلك، تحدثت «ساسة بوست«، مع الباحث في الشأن الإسرائيلي، صلاح الدين العواودة، الذي لفت إلى أن توقيت عرض مقطع الفيديو المتلفز،«لم يكن عَرَضًا أو صدفة، وإنما يأتي في إطار الضغوط المتبادلة في ملف الأسرى».

وذكر «العواودة» أن إسرائيل تضغط للحصول على معلومات مجانية، أو رخيصة، كما سمّاها. وتحاول أيضًا الظهور بمظهر غير المكترث للأمر؛ لدفع «حماس» للكشف عن معلومات جديدة، حول جنودها المفقودين في غزة قبل عامين.


إذًا فالمغزى من إظهار صور الجنود الأربعة في مقطع مُتلفز، هدفه تحريك القضية في الإعلام، في إطار ما يسميه العواودة: «الحرب النفسية، التي عادة ما تُؤتي أُكلها». فمن ذلك تكذيب البيان لنتنياهو أمام شعبه، والضغط عليه بنفي تصريحاته، التي ادعى فيها بذل الجهود لإعادة الجنود.
وجهة نظر أخرى يراها الأسير المحرر من السجون الإسرائيلية «أحمد الفليت»، وهي أنّ بيان القسام، كشف عن أن إسرائيل لم تضع صفقة تبادل الأسرى على سلم أولوياتها في الوقت الحالي، لاعتبارات كثيرة، من بين أبرزها، ما يحدث في القدس المحتلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2015. يُضاف إلى ذلك، معارضة الأحزاب اليمينية، داخل الكنيست الإسرائيلي، لأي عملية تبادل للأسرى مع الفلسطينيين، لاسيما وأن الحكومة الحالية قائمة على عضو «كنيست» معارض واحد. هذا فضلًا عن طبيعة المتغيرات الجارية في المنطقة العربية والإقليمية.

في حديثه مع «ساسة بوست»، أعرب «الفليت» عن اعتقاده، بأن القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية، ليس على جدول أعمالها المفاوضات بشأن الأسرى الجنود الأربعة، قائلًا: إنّ «الحرب الماضية ستدخل عامها الثالث، وحتى الآن الملف لم يتم تحريكه من جهة وسيطة، ولا يوجد أصلًا أي إعلان للوسيط».

ولفت الأسير السابق، إلى أن نتنياهو كان يُحاول تهدئة الشارع الإسرائيلي بإعلانه الأخير، لكن بيان القسّام غيّر المُعادلة، كما يقول «أحمد الفليت»، بخاصة وأن البيان لم يُعلن عن أي وساطة، بل نفى أن تكون هناك أية مُفاوضات من الأساس، في قضية غالبًا ما ستقطع شوطًا طويلًا، كما جرى سابقًا في صفقة شاليط، التي استمرت لخمس سنوات ونصف تقريبًا.

يتذكر معنا الفليت، كيف كان التعاطي كبيرًا من قبل الجانب الإسرائيلي مع قضية شاليط، مع ضغط الرأي العام الإسرائيلي. لكنه يستدرك بأنه مع تنفيذ الصفقة، والإفراج عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا مُقابل شاليط، بدأ الكتاب والمحللون الإسرائيليون في إبداء امتعاضهم من الصفقة التي وجدوا أنها قد تكون مُخبسة لحقهم.

الخيار العسكري قد يكون بديلًا

بالعودة إلى حديث الوساطة للمفاوضات بين الجانبين، والتي لم يُفصح عنها أصلًا حتى الآن، أشار الباحث صلاح الدين العواودة، إلى أن هناك تسريبات إعلامية في الأسابيع الأخيرة، تحدثت عن وساطة وجهود تبذل، دون تحديد ما هي الجهة وكيف وأين؟

-
ووفقًا للباحث، فإن ذلك تزامن مع تصريحات لوزيرالدفاع الإسرائيلي موشي يعلون، عن أن التقارب مع تركيا يجب أن يكون مشروطًا بإعادة الجثث المحتجزة في غزة، ثم جاء تصريح لنتنياهو تحدث عن جهود مبذولة لإعادة المفقودين.

التعاطي الإسرائيلي لم يكن واضحًا أو محدًدا في كثير من الأحيان، حول عملية تبادل أسرى مع المقاومة الفلسطينية بوسيط ما، فلطالما كان التمويه ملازم لوسائل الإعلام الإسرائيلية، وعدم كشف ما يدور خلف الكواليس.

إلا أن جهازالمخابرات الإسرائيلي «الشاباك»، قد طلبَ مؤخرًا، من نتنياهو، الموافقة على طلبات المقاومة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، محذرًا إياه من المماطلة في إتمام صفقة تبادل أسرى مع حماس، وإلا فإن تجدد المواجهة مع غزة، سيكون خيارًا أشد وأكثر عنفًا.

الجدير ذكره أن كتائب «القسام» أعلنت خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، صيف 2014، أنها أسرت الجندي «أرون شاؤول»، في منطقة «الشجاعية» شرقي غزة، فيما أكد الجيش الإسرائيلي وقتها أن الجندي قُتلَ؛ استنادًا إلى العثور على بعض أشلائه.

وفي الأول من أغسطس (آب)2014، أعلنت إسرائيل فقد الاتصال بضابط يدعى «هدار جولدن» في «رفح» جنوبي قطاع غزة، في نفس الوقت الذي أعلنت فيه القسام، فقدها الاتصال بمجموعتها المقاتلة التي كانت في نفس المكان، مُرجحة مقتلها مع الضابط الإسرائيلي.

وكان الجيش الإسرائيلي، قد أعلن احتجازه 19 جثةً تعود لفلسطينيين من قطاع غزة، استشهدوا خلال الحرب الأخيرة على القطاع المُحاصر. وترفض إسرائيل الإفصاح عن مزيدٍ من المعلومات عنهم، أو تسليمهم، إلا في إطار مفاوضات عامة لتبادل الأسرى.

هذا، وتجدر الإشارة على أن الأسير الإسرائيلي، «شاؤول أرون»، هو الوحيد الذي اعترفت كتائب القسام بأسره، لكنها لفتت في محافل أُخرى، أن لديها أكثر من جندي، حتى إنّه عُلّقت، على مفارق الطرق في القطاع، لافتات حملت صورًا للجنديين المأسورين، «هدار جولدن»، و«شاؤول أرون»، مع علامة استفهام؛ تشير إلى إمكانية وجود آخرين، قبل أن يُفصح عن ذلك رسميًا مطلع الشهر الجاري.

وبالنسبة للجنود الذين أُفصح عنهم خلال الأيام القليلة الماضية، فقد ذكرهم الباحث العواودة، وهم: الجندي «شاؤول أرون»، الذي سقط في يد كتائب القسام في منطقة الشجاعية، وأعلنت إسرائيل أنه لقي حتفه، بينما تكتمت القسام على وضعه، و«التكتم ليس في صالح المقاومة، لو كان حيًا».

أما الثاني، فهو الضابط «هدار جولدن»، الذي تم أسره في رفح، لكن تقارير إسرائيلية، تقول: «إنه قد لقي حتفه، وأن مصيره لدى القسام، كسابقه، جُثّة هامدة». أمّا الثالث، فهو من أصول إثيوبية، وقد دخل قطاع غزّة على قدميه، وتدعي إسرائيل أنّه مُختلٌ عقليًا. والأخير، بدويٌّ عربي، دخل غزة على قدميه هو الآخر.

مما سبق، واستقاءً من التجارب السابقة لكتائب القسام في صفقات تبادل الأسرى، فإنّها غالبًا لن تُقدّم أية معلومات مجانية عن المفقودين بحوزتها، وإن كانوا جُثثًا هامدة. حدث ذلك في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2009، حين نجحت القسام، بوساطة ألمانية مصرية، في تأمين الإفراج عن 19 أسيرةً فلسطينية من ذوات الأحكام العالية، مُقابل الكشف عن دليل مادي يُثبت أن شاليط لا يزال على قيد الحياة.

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top