0

أصبحت الطاقة النووية الآن، جزءًا لا يتجزأ من عالمنا الحديث. وانتشرت المفاعلات النووية بشكلٍ ملحوظ في الكثير من دول العالم، حتى تلك الدول غير المتطورة اقتصاديًّا مثل كوريا الشمالية وإيران على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى، فمن المعروف لدى العامة، أن المشكلة الرئيسية المتعلقة بالطاقة النووية، بعيدًا عن الكوارث الفجائية من تسرب إشعاعي أو انفجارات، تكمن في النفايات النووية الناتجة من المفاعلات. وتظهر خطورة هذه المواد تحديدًا، في النشاط الإشعاعي الذي قد يدوم لآلاف السنين، وبالتالي فإنها تضر المحيط البيئي الموجودة فيه لفترات طويلة جدًّا.

تعديلٌ لبعض المفاهيم عن النفايات النووية

طبقًا لما يذكره الموقع الرسمي للجمعية النووية العالمية، فإن قطاع الطاقة النووية، هو القطاع الوحيد الخاص بتكنولوجيا إنتاج الطاقة على نطاق واسع، التي تتحمل المسؤولية كاملةً، عن جميع ما يتعلق بها من نفايات ونواتج جانبية، وهي تتكفل بجميع المصاريف المتعلقة بالتخلص من هذه النفايات. إنتاج الكهرباء من خلال محطات حرق الوقود العضوي، مثل الغاز الطبيعي مثلًا، لا تتحمل ما يصدر عنها من غازات ضارة.
أمر مهم آخر، وهو أن كمية المواد الضارة، الناتجة عن المفاعلات النووية، أقل كثيرًا جدًّا من النفايات الناتجة عن استخدام الوقود الحفري (الغاز الطبيعي والبترول)، في توليد الطاقة. الفرق هنا أن البيئة المحيطة، يُمكنها استيعاب كميات كبيرة من نفايات الوقود الحفري، لكنها لا تتحمل إلا كمية ضئيلة من النفايات النووية، لتأثيرها في نطاق واسع، وبشكل أكثر خطورة.
مقارنةً بالنفايات الصناعية السامة الأخرى، فإن النفايات النووية ليست خطيرة بشكل خاص، كما أنه يمكن إدارتها والتعامل معها تعاملًا أسهل نسبيًّا، من بعض النفايات الأخرى. والأهم من هذا كله أن هناك إجماعًا دوليًّا على طريقة علمية آمنة، مثبتة للتخلص من النفايات عالية الإشعاع، من خلال عملية تسمى «التخلص الجيولوجي».

التخلص الجيولوجي من النفايات النووية

ولتوضيح أهمية هذه الطريقة، دعونا نضرب المثل بما ذكرته صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير لها عام 2014. الصحيفة أشارت إلى أن أغلب النفايات النووية التي تنتجها المفاعلات البريطانية، تُخزن في أقبية ومبانٍ على مستوى الأرض، بمنطقة «سيلافيلد Sellafield». عملية التخزين هذه لا يمكن أن تستمر كثيرًا، لأن النفايات المخزنة على سطح الأرض، ستكون معرضة لمخاطر عديدة مثل الإرهاب وتسونامي وعمليات تغير المناخ.
هذه المباني بحاجة أيضًا إلى عمليات صيانة مستمرة. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن أطول حضارة عاشت على سطح الأرض، الحضارة المصرية القديمة، ولمدة 3500 عام فقط، فسيكون الأمر مثيرًا للسخرية إذا ما اعتقدنا أنه سيمكننا توريث المعلومات الخاصة بمراقبة وصيانة هذه الأبنية على مدى مئات الآلاف من الأعوام، وهي الفترة التي ستظل فيها النفايات النووية في صورة مشعة وضارة على البيئة والإنسان.

هنا، توصل العلماء إلى أفضل طريقة للتخلص من النفايات النووية، وهي «التخلص الجيولوجي». هذه الطريقة بدأ استخدامها بالفعل في عدة دول، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وفنلندا. وهنا تُبنَى منشأة بشكل هندسي دقيق على عمق كبير تحت سطح الأرض، والتي يتم دفن النفايات النووية فيها بعناية كاملة. وقبل تشييد هذه المنشأة، فلا بد من إجراء بعض عمليات السلامة البيئية التي تثبت أن المنشأة ستكون آمنة على مدى مُفترض -ملايين السنين- دون أي عمليات صيانة.
يذكر أن الاختبارات الخاصة بالسلامة لهذه المنشآت، تستغرق بين 10 إلى 20 عامًا، تتضمن تحديد درجة أمان الموقع، وإنشاء نماذج علمية، للتنبؤ بالكيفية التي سيصمد بها الموقع في اختبارات الزمن. ولا يوجد معيار واحد يستخدم لجميع هذه المنشآت من ناحية التصميم، لكن الأمر راجع إلى الطبيعة الصخرية للمنطقة المختارة، وأنواع النفايات التي سيتم التخلص منها. وبشكلٍ عامٍ فإن النفايات تجمع في علب مصنوعة من الصلب أو النحاس السميك. ويتم إخضاع هذه العلب لاختبارات ضمان سلامة، أمام عمليات التآكل والزلازل وغيرها.
وتُعد التربة الطينية مكانًا مُفضلًا لإنشاء هذه المباني الجيولوجية، وذلك لأنها لا تسمح للماء، أو لأي شيء آخر بالتسرب من تلك العلب الصلبة. كذلك فإن التربة الطينية تتميز بمرونتها، ما يساعد على تخفيف الصدمات الناتجة من الزلازل. وفي المقابل، فإن الصخور الجرانيتية من أسوأ المناطق التي يمكن استخدامها لإنشاء مثل هذه المباني، لهشاشتها وسهولة تصدعها، رغم أن الماء لا ينتقل من خلالها أيضًا. لكن الجرانيت يمكن استخدامه بفعالية إذا ما قمنا بإحاطة علب النفايات بطبقة من التربة الطينية.

الدول النامية مكب النفايات النووية

في بحث هام لمسعد عبد الرحمن زيدان، الأستاذ بكلية العدالة الجنائية، في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، نشره عام 2013، أشار إلى أن التخلص من النفايات النووية في الدول المتقدمة، ووضعها في مدافن آمنة، يحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، هناك 25 ألف مركز لتجميع النفايات النووية، تتكلف ما بين 23 إلى 100 مليار دولار.
هذا الأمر استغلته بعض عصابات المافيا ودفعهم إلى العمل على نقل هذه النفايات، إلى الدول النامية، متبعين طريقتين: التهريب، أو عقد صفقات مشبوهة مع بعض المسؤولين الحكوميين في هذه الدول. بالطبع فإن قيام الدول المتقدمة بالتخلص من نفاياتها النووية بطرق غير مشروعة، عبر تصديرها للدول النامية، هو جريمة دولية في نظر القانون.

منظمة «جرين بيس» الدولية، أشارت في دراسة سابقة لها، أن هناك 115 شحنةً من النفايات النووية السامة، قد أُرسلت بين عامي 1987 و1998 إلى دول أمريكا الجنوبية وإفريقيا. ليس هذا فحسب، بل إن هناك عددًا من الدول المتقدمة النووية، تخلصت من بعض فضلاتها النووية عبر طلاء القذائف التي تستخدمها في حروبها بطبقة من اليورانيوم المنضب، بغرض إحداث أكبر قدر ممكن من التدمير للخنادق والآليات المحصنة.
هذا الأمر شاهدناه بوضوح خلال الحرب الأمريكية في العراق، عام 1991، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والحرب الأمريكية على أفغانستان عام 2001. أضف إلى هذا الحروب الإسرائيلية الثلاث التي شنتها على قطاع غزة، في الأعوام العشرة الأخيرة. بل إن هناك الكثير من التقارير والدراسات، التي أشارت إلى قيام دول متقدمة، بدفن نفايات نووية دون علم الشعوب أو المسؤولين في بعض الدول النامية، كما حدث في العراق، من دفن نفايات مُشعة قادمة من الولايات المتحدة وإسرائيل، لتدفن تحديدًا في الصحراء العراقية، إبان الغزو الأمريكي عام 2003.
وأشارت دراسة لخدمة «إنتر برس» الإعلامية، إلى أن الدراسات الاقتصادية لدفن طن واحد من النفايات النووية، في إحدى الدول الإفريقية، تكلف الدُول الغنية 2.5 دولار، بينما الدراسات الخاصة بدفن طن واحد في أوروبا، تكلف أكثر من 250 دولارًا. هذا الفارق الكبير نتيجةً لارتفاع معايير الأمان البيئي في أوروبا.

عصابات متخصصة

«ندرانجيتا»، وهي منظمة «إجرامية» تتركز في منطقة كالابريا في إيطاليا، والتي استطاعت أن تكون منظمة الجريمة الأقوى في إيطاليا منذ أواخر التسعينات وأوائل القرن الحالي. هذه المنظمة شاركت في عمليات دفن غير مشروع، للنفايات المشعة منذ ثمانينات القرن الماضي.
وكانت صحيفة التيلجراف البريطانية، قد لفتت إلى غرق عدة سفن تحمل نفايات سامة ومشعة قرابة السواحل الإيطالية، بالإضافة إلى أن الدلائل تشير إلى إرسال سفن تحوي نفايات نووية، إلى السواحل الصومالية وبعض الدول الأخرى. هذه السفن إما كانت تغرق (وإما يتم إغراقها على وجه الدقة) قبالة السواحل الصومالية، وإما تُنقل الشحنات النووية، وتدفن في مناطق بالصحراء. وقد ساعد على نشاط مثل هذه المنظمات، ما قامت به الحكومات الغربية، من إدخال تشريعات أكثر صرامة، فيما يتعلق بالتخلص الآمن من النفايات النووية.

وتحدثت تقارير حكومية، عام 1995 عن احتمال وجود عمليات اتجار دولي بالمواد المشعة والنفايات السامة، تدار من قبل رجال أعمال ومراكز قوى معينة، جنبًا إلى جنب مع بعض المسؤولين الرسميين، في عدد من الحكومات، في الدول المتقدمة والدول النامية. وقد أعلنت إحدى المنظمات المهتمة بالبيئة، عن وصول شحنات من النفايات النووية إلى الصومال وكينيا وزائير. وصول الشحنات ودفنها في هذه المناطق، كان من خلال عملية تعاون مشترك، تمنح بموجبه الدول الغربية بعض المتمردين المسيطرين على البلاد السلاح، في مقابل دفن هذه النفايات.
وهناك حادثة شهيرة وقعت عام 1994، عندما قُتلت صحافية بالتليفزيون الإيطالي، تُدعى إيلاريا ألبي، والمصور ميران هيروفاتين، في الصومال لأنهما شاهدا الشحنات السامة تصل إلى ميناء مدينة بوساسو الصومالية.

النفايات النووية في صورة مُختلفة

هناك عدة تعريفات لمصطلح النفايات النووية، طبقًا للغرض من استخدام القوة النووية بين المفاعلات والحروب والقنبلة وغيرها. الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ذكرت أن النفايات النووية هي «أي مادة لا يوجد لها استخدام أكثر من المتوقع، وتحتوي على مواد مشعة، تتجاوز القدر الذي يمكن أن يتحمله الإنسان، أو لا يمكن استخدامها في أغراض أخرى مفيدة».
طبقًا لهذا التعريف، فإن النفايات النووية لا تشمل نواتج التفاعلات النووية الزائدة عن الحاجة فحسب، لكنها تشمل أيضًا نواتج التفجيرات النووية، وبقايا المواد المشعة الناجمة عن القذائف المطلية باليورانيوم المنضب، والتربة المحيطة بالمفاعلات، والمياه المستخدمة في عمليات التبريد، وجميع المنشآت النووية بعد تفكيكها.
وتتعاون بعض الشركات مع عصابات المافيا الدولية، في تصدير بعض النفايات النووية، على أنها نوعٌ من الأسمدة التي تستخدم في الزراعة، أو في صورة مواد تدخل في عمليات البناء. كما تصدر هذه الشركات المعدات والأدوات، التي أصبحت منتهية الصلاحية، بعد تفكيكها من المفاعلات النووية، إلى الدول النامية.
المصدر ساسة بوست

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top