0
كان يتجهز لزيارة عائلته في تركيا، إلا أن القصف المكثف الذي تشهده مدينة حلب، جعله يؤجل فكرة الخروج من المدينة، خاصة وأنه آخر أخصائي للأطفال لا زال متواجداً في القسم المحرر منها.
لكن الطبيب محمد وسيم معاذ، استشهد قبل توجهه إلى عائلته مع خمسة من زملائه إضافة إلى أكثر من خمسين مدنياً معظمهم أطفال، جراء غارة جوية استهدفت مشفى القدس التابع لمنظمة أطباء بلا حدود يوم الأربعاء الماضي بعد أن كان يقدم خدماته لأطفال المدينة في أكثر من ثلاث مراكز طبية.

القضية والقسم
الطبيب الودود ذو الوجه الضاحك، يعرف عن نفسه بـ"أبو عبد الرحمن" ناشط ومتظاهر، التحق بركب الثورة منذ أيامها الأولى، فقدم العلاج للجرحى من المتظاهرين أثناء الحراك السلمي، ثم عمل في عدة مشافي ميدانية، أبرزها مشفى الأطفال في حلب، ومشفى القدس التي قضى فيها بعد استهدافها بصاروخين فراغيين ألقتها الطائرات الروسية كما يروي صديقه الممرض نبيل الشيخ عمر.
وأضاف نبيل: لم يكن القَسم الطبي الذي أدّاه الطبيب "محمد معاذ" هو وحده سبباً في بقائه داخل المناطق المحررة ليعالج أكثر من عشرين ألف طفل لا زالوا فيها، فهو أيضاً كان يعتبر نفسه جزأ من قضية الثورة ورسالتها، لذلك، فقد اتخذ من غرفة قريبة من قسم الحضانة والتوليد داخل المشفى منامة له كي يبقى قريباً من مكان عمله، خاصة وأن القصف المتواصل على حلب، وعدم وجود أخصائي أطفال دائم في المدينة يحتم عليه البقاء على رأس عمله ما يقارب الستة عشر ساعة يومياً، يقسمها على ثلاثة مراكز طبية موجودة داخل المدينة.
ورغم بلوغه سن السادسة والثلاثين عندما استشهد، إلا أن الدكتور معاذ ظل يؤجل باستمرار فكرة الارتباط والزواج، لأنه لم يكن يملك الوقت الكافي منذ خمس سنوات، وكذلك فإنه كان يخشى أن يشغله ذلك عن قضيته العامة كما أكد زميله نبيل.

مراسم تشييع بسيطة وعودة للعمل
يفرض واقع القصف الذي يتسبب بسقوط ضحايا بشكل مستمر في حلب، وقلة عدد الأطباء المتواجدين في المدينة، على الأطباء البقاء على رأس عملهم ساعات طويلة قد تتجاوز في معظم الأحيان الخمسة عشر ساعة، ما جعل الكثيرين منهم ينقلون مكان اقامتهم إلى المشافي التي يعملون فيها، كما فعل الطبيب "محمد معاذ" قبل استشهاده.
وهو الأمر ذاته الذي يقوم به الطبيب "أبو خالد" شقيق الدكتور الشهيد (محمد وسيم معاذ)، فقد منعته الطائرات الروسية التي ارتكبت أربعة مجازر في حلب يوم الخميس الماضي، من بناء خيمة عزاء لشقيقه الراحل، أو حتى نيل قسط من الراحة تعينه على تجاوز محنته بفقدانه أخيه.
"أبو خالد" وهو أخصائي بالجراحة العظمية، عاد إلى عمله فور القيام بمراسم تشييع شقيقه الراحل لمواصلة أداء واجبه، فهو يجري ما يقارب الخمس عمليات جراحية في اليوم الواحد حسب ما أفاد أطباء مقربين منه.

رسالة النظام وصمت العالم
يقول الدكتور "حمزة الخطيب" مدير مشفى القدس الذي تعرض للقصف والتدمير ما أدى لخروجه عن الخدمة إنه وبعد رحيل الدكتور (معاذ) فإن المناطق المحررة بمدينة حلب بات عليها أن تعتمد على عدد من الأطباء الذين يتواجدون بشكل متقطع في مشافي المدينة، الأمر الذي يزيد من معاناة الأطفال والأطباء المناوبين، الذي سيجدون أنفسهم أمام ساعات طويلة من العمل.
وأضاف الخطيب: تشهد حلب نقصاً حاداً في الكوادر الطبية، ويعتبر فقدان أي طبيب أو ممرض أو مسعف بمثابة فاجعة بالنسبة لنا، خاصة وأن المدينة تعاني من انعدام وجود أخصائيين يغطون حاجة المشافي الميدانية التي تستقبل على مدار الساعة حالات خطرة تحتاج إلى أطباء مخضرمين.
ويتابع الخطيب: أصبحت مشفى القدس حالياً خارج الخدمة نتيجة القصف الذي تعرضت له، والذي استهدف قسم التوليد والحضانة، كما دمرت الغارات مخبر المشفى وهو من المخابر القليلة جداً في حلب، ويعتبر هذا القصف الممنهج رسالة واضحة بأن النظام سيقتل المدنيين ومن يحاول انقاذ أرواحهم.

أكثر من خمسين مركزاً طبياً بين نقاط ومستوصفات ومشاف في مختلف المناطق السورية دمرتها قوات النظام خلال العامين الماضيين في عمليات قصف قضى فيها أيضاً عدد غير قليل من الكوادر الطبية في ظل صمت دولي وخاصة من جانب منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة والمؤسسات المرتبطة بها التي لم تتخذ حتى اليوم موقفاً جدياً من هذه الهجمات التي لا يبدو أن هناك رادع يمكن أن يوقفها.
المصدر اورينت انيوز

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top