0


د. ليلى بيومي

اجتمعت إرادة المجتمع الدولي على مساندة ما انتهت إليه العملية السلمية في ليبيا، والتي قادتها الأمم المتحدة وانتهت بتشكيل حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج.

هذه المساندة جسدتها مواقف كل من السكرتير العام للأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، كما أن الموقف الأوربي الداعم عبرت عنه الممثلة السامية للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، فيدريكامو غيريني، التي عقدت مؤتمرًا صحفيًا بعد ساعات من وصول السراج إلى طرابلس دعت خلاله الليبيين إلى عدم تفويت فرصة دعم حكومة التوافق للانتقال بالبلاد من الفوضى إلى الاستقرار، ثم جاءت سلسلة الزيارات الأوروبية إلى طرابلس لدعم حكومة السراج والتي تمثلت في زيارة وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

هذه المساندة ليست سموًا في أخلاق القوى الغربية، التي ما دأبت تقف ضد مصالح العرب والمسلمين، ولكن لأن مصلحة الغرب تستلزم تحقيق الاستقرار في ليبيا، فأوروبا وأمريكا باتت أكثر إصرارًا على التدخل من أجل وضع حد لحالة عدم الاستقرار في ليبيا، انطلاقا من عنوانين أساسيين: الأول يتمثل في تزايد نفوذ تنظيم "داعش"، والثاني تزايد موجات الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ الليبية. وطبعًا لن تتمكن ليبيا في ظل حالة التقاتل الداخلي والانقسام وعدم الاستقرار من النجاح والتقدم في هذين الملفين المهمين.

بالنسبة للأوضاع داخل ليبيا، فإن العديد من القوى في طرابلس وأنحاء أخرى من ليبيا، تراجعت عن معارضتها الحادة لدور المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق لأجل تمكينها داخليًا، بعد الدعم العربي والإقليمي الذي حصلت عليه.

لكن المشاكل والخصومة تأتي من مدن الشرق الليبي التي بحثت احتمالات قاسية مثل تأسيس مجلس عسكري، أو إعلان فيدرالية، لكنها عادت وأفضت إلى ما أعلن عنه عقيلة صالح، واختصرت بمطالبة حكومة الوفاق الحصول على الثقة من مجلس النواب ومقره طبرق، لنيل شرعيتها، وإجراء بعض التعديلات الدستورية التي من شأنها تثبيت أوضاع اللواء المتقاعد خليفة حفتر كقائد للجيش الليبي.

وهنا ينبغي الإشارة إلى المواقف الوطنية المسئولة التي اتخذتها القوى الموجودة في طرابلس وهي قوى إسلامية، فقد تنازلت عن مصالحها الخاصة وقدمت المصلحة الوطنية العليا. كما يجب الإشادة بموقف الجماعة الدينية ذات التوجه السياسي، والذين انتقدوا التصريحات الرافضة لحكومة الوفاق التي أطلقها الصادق الغرياني مفتي ليبيا، وأكدوا أن ما حدث هو تنفيذ لاتفاق سياسي يجب التعاون من أجل إنجاحه.

أما على الجانب الآخر فإن برلمان طبرق والقوى المؤيدة لخليفة حفتر لا تقدم المصلحة الوطنية، وتتعسف من أجل إفشال انعقاد البرلمان لإعطاء الثقة والاعتراف بحكومة الوفاق، ليس هذا فحسب ولكن هناك إصرار على فرض خليفة حفتر كقائد للجيش ولو أدى ذلك إلى تغيير بعض مواد الدستور.

وهكذا أصبح خليفة حجر عثرة أمام حل الأزمة في ليبيا، وقد أصيب هو وداعموه بالصدمة من النجاحات التي حققها السراج في طرابلس وفي الغرب الليبي، فقد كان يراهن على عدم قدرة المجلس الرئاسي دخول العاصمة مهما كانت الضغوط، فإذا به الآن مكشوف الظهر خاصة بعد إعلان قائد حرس المنشآت النفطية وضع قواته تحت تصرف المجلس الرئاسي وحكومة التوافق، وهذا يعكس المأزق السياسي الذي يواجهه حفتر وداعموه، كما يحدد خياراته في أحد اتجاهين، إما أن يسلم بسياسة الأمر الواقع ويتعاون مع السراج فيضمن له مكانًا في قطار السلطة الليبية التي تتشكل في طرابلس حاليًا، أما الاختيار الأخر أن يواصل تحقيق حلمه في حكم ليبيا، ويعلن تشكيل مجلس عسكري برئاسته، ويبدأ معركة جديدة من المناكفة والصراع والعداء التي ستدفع ليبيا ثمنها غاليا.

وإذا نظرنا إلى أطراف الجوار الإقليمي فسوف نجد أن تونس والجزائر والسودان، يوجد شبه إجماع بينها على ضرورة إشراك كافة التيارات السياسية في العملية السياسية الليبية لضمان نجاحها، وهذه الأطراف تري أن نجاح حكومة التوافق مرهون بعدم إقصاء أي طرف.

ويأتي الشذوذ الإقليمي في موقف بعض الدول التي تدعم الجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليقة حفتر لردع من تصفها بالجماعات المتطرفة.

قلق تلك الدول يأتي من وجود أحمد معيتيقة وفتحي المجري كنواب للسراج في المجلس الرئاسي، بسبب قربهما من التيارات الإسلامية إلى جانب أن الاتفاق السياسي أعطي لتلك الحق في الانضمام إلى مجلس الدولة الذي يعد بمثابة غرفة ثانية للبرلمان حيث منحهم 90 مقعد من أصل 120 إجمالي عدد أعضاء المجلس.

مخاوف تلك الدول لم يبددها تعهد السراج للقيادة السياسية وللأجهزة السيادية المصرية، بأن حكومة التوافق لن تسمح بأن يتم السيطرة عليها من تيار بعينة وستعمل باستقلال تام لمراعاة المصلحة الليبية العليا التي لن تتعارض مع المصالح والأمن القومي المصري.

وهكذا أصبحت الأزمة الليبية تتلخص في عنوان واحد هو خليفة حفتر وداعموه، المحليين والإقليميين، ومحاولة إقصاء الأطراف الإسلامية واللعب بورقة الإرهاب للتنفيس عن الغل الذي يملأ قلوبهم من الإسلام والمسلمين.

فهل تضغط الإرادة الدولية على حفتر وداعميه من أجل استكمال العملية السياسية والخروج من النفق المظلم الذي تسير فيه ليبيا منذ خمس سنوات؟ أم ينجح التآمر وأهله وكراهية الإسلام والإسلاميين في إفساد هذا كله وتعريض الدولة الليبية إلى خطر محدق وهو التقسيم والتقاتل الأهلي؟

المصدر المفكرة الاسلامية

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top