0
ستنجح روسيا في الضغط على النظام السوري، وبدلاً من إلقائه مئة من البراميل المتفجّرة فوق رؤوس المدنيين في حلب وريفها، سيكتفي بخمسين أو ستين... ولكن لفترة هدنة فحسب، لا تتجاوز بضعة أيام. يدرك النظام أن كل ما يقال عن ضغوط أميركية على موسكو لكي تلجم اندفاعه إلى التصعيد، هو مجرد ثرثرة، وأن إيران لن تتركه مجرد ورقة في يد الروس، إذ تتوعّد بالثأر لـ «كارثة» قتل «مستشارين» من جيشها في سورية. فمزيد من التورُّط الإيراني في الحرب القذرة وفي إدارتها، يهيئ طهران لطلب الثمن، حين يحل وقت اقتسام مغانم الصفقة.

لا شيء يوحي بأن النظام السوري قلِق من النيات الإيرانية، بل هو مطمئن إلى تقاطع مصالح موسكو وطهران في تمديد الحرب، و «ذبح» الفصائل المقاتلة المعارضة، فيما الغيبوبة الأميركية ستطول إلى ما بعد دخول خليفة باراك أوباما البيت الأبيض.

يدخل تنظيم «القاعدة» فجأة على الخط، لينافس «غلاة الخوارج» في «داعش»، والرابح لا بد أن يكون النظام هذه المرة أيضاً، والمتضرر الأول هو الشعب السوري المنكوب الذي يقتله النظام والروس والإيرانيون و «داعش» و «القاعدة»، لمحاربة «الإرهاب»!

في ريف اللاذقية، يدعونا القيصر فلاديمير بوتين إلى الاحتفال معه بذكرى الانتصار على النازية، في قاعدة «حميميم»، كأن أراضي سورية باتت إقليماً روسياً، مثلما تعتبر طهران أنها تدفع ثمناً باهظاً لعدم التفريط بـ «محافظة إيرانية».
ما علينا سوى أن نصدّق بوتين ونصفّق له حين يذكّرنا بأن الحضارة البشرية تواجه «الوحشية والعنف»، لكأنّ ما يفعله حليفه النظام في دمشق لا يتعدى رشق مواطنيه بالورود، على إيقاع سمفونيات الكرملين. أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي يبدو لاهثاً، يحصي الأيام ليسلّم ملفات جريمة التواطؤ الكبرى إلى مَن يخلفه في الإدارة الجديدة، فلعله يُدرك أن لا أغبياء في العالم يثقون بحسن نية واشنطن، وتألُّمها لضحايا المجازر في سورية... أو قلقها على مصير ملايين، معلّق بين القنابل والجوع.

لا حاجة مجدداً لتعداد أدلة على كارثة الإفلاس الأخلاقي- الإنساني في إدارة السياسة الدولية. وإذ يبرع القيصر في الدعوة إلى «منظومة أمن عصرية» لمواجهة أخطار «أولها الإرهاب»، يضلّل العالم عمداً في تجاهل المآسي والكوارث التي نجمت عن دعم المحور الروسي- الإيراني الاستبداد في سورية.

أما البحث في منظومة الأمن «العصرية»، فلا بد أن يعيد إلى الذاكرة تباهي بوتين باختبار جيشه «البطل» أسلحة حديثة، مستخدمة دماء السوريين حقل رماية... وتباهي الصناعات العسكرية الروسية بجني أرباح وفيرة في المنطقة العربية، من خلال صفقات السلاح. تلك المنظومة العصرية، توسّع المصالح، والمقابر.

موسكو وواشنطن شريكتان في التضليل، وحين تتوعّد إيران بأنها و «روسيا وسورية وحزب الله» لن تترك ما حصل في حلب (قتل «مستشارين» إيرانيين وأسر آخرين) بلا حساب، أيُّ قيمة تبقى لأي هدنة؟ وحين تلتزم الولايات المتحدة «زيادة الدعم لحلفائها الإقليميين» لمساعدتهم في منع «تدفُّق المقاتلين والأسلحة أو الدعم المالي للمنظمات الإرهابية، عبر حدودهم»، ألا تكون تركيا تحت مزيد من الضغوط الأميركية، خصوصاً رضوخ واشنطن لذرائع موسكو؟
التسوية بعيدة حتماً، فلا القيصر يكشف أهداف سياسته أو استراتيجيته- إن كانت هناك استراتيجية- ولا البطة الكسيحة في واشنطن ستبادر قبل نهاية السنة إلى التكفير عن نهج «دع العرب يقلعون أشواكهم بأيديهم»، وهو برنامج خديعة حتماً.
وأما انتظار «المعجزة» بعد الانتخابات الأميركية فهو ذروة العبث والوهم، إن فازت هيلاري كلينتون يرجّح تمديد فصول المذابح، وإن انتصر دونالد ترامب، تقدّمت احتمالات نقل السياسة الأميركية من مرحلة انعدام الوزن الى حقبة جنون تغذيه أحقاد البليونير على المسلمين.

جميعهم «مشبوهون» بالإرهاب، لا يخفي ترامب طموحه إلى نفخ العضلات الأميركية مجدداً. وفي الحالين تضيع حقائق الاستبداد والعدالة، وتنتصر الغرائز في بحور الدماء.
270 ألف قتيل في سورية، في مرحلة التفاهمات الأميركية- الروسية. بين اندفاعة القيصر وجنون العظمة لدى البليونير، أي نهاية لنفق الظلام؟
زهير قصيباتي - الحياة

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top