0
كان الأمل كبيراً في بداية الثمانينيات أن تكون نهاية الحرب الباردة فرصةً تاريخية، وربما الأخيرة، لتدشين مسارٍ جديد للبشرية التي أنهكتها الحروب والنزاعات القومية والأيديولوجية، ولفتح الطريق أمام تعاون دولي، يضمن الأمن والحرية والعيش الكريم لجميع سكان المعمورة. وعلت بالفعل أصوات عديدة مطالبة بتطوير منظومة الأمم المتحدة التي شلتها الحرب الباردة من قبل، وتعزيز قدراتها وصلاحياتها، وتحويلها إلى شبه إدارة دولية قادرة على ايجاد الحلول المتوازنة للنزاعات الدولية المتقرحة، وإطلاق برامج أصبحت أكثر من ضروريةٍ للرد على تحديات ومعالجة مشكلات البيئة ونقص التنمية في أكثر مجتمعات العالم، والقضاء على الفقر، ودعم جهود التربية والتقدم التقني والعملي لملياراتٍ من البشر الذين لا يزالون مستبعدين منها، على مستوى المعمورة بأكملها.

ما حصل كان معاكسا تماما لذلك. استغلت الولايات المتحدة، تفرّدها بالقوة لإعادة ترتيب الأوضاع الدولية، بما يعزّز هيمنتها ونفوذها العالميين، فخاضت حروباً عديدة، كلها مدمرة، في أفغانستان والعراق وغيرهما، فاقمت من المشكلات العالمية، ثم ما لبثت روسيا أن ردّت بالمثل، بعد أن تحرّرت من أزمة الدولة السوفييتية، وتيقنت من انكفاء واشنطن وانطوائها على مشكلاتها الداخلية. وهي تخوض اليوم في سورية، بالتعاون مع إيران، وتغطية صينية، حرباً دولية دامية لفرض نفسها من جديد قوة عالمية كبرى، على الأقل في أوروبا والشرق الأوسط، بينما تكاد منظومة الأمم المتحدة تنهار من تلقاء نفسها، بسبب عجزها المحزن عن القيام بأي دورٍ لتخفيف المحنة عن الشعوب التي تتعرّض لإبادة حقيقية، وفي مقدمها الشعب السوري الذي أصبحت أراضيه مسرحا للمواجهة بين عديد الجيوش والمليشيات الطائفية وغير الطائفية، المحلية والإقليمية والدولية، بينما يتعرّض أكثر من مليون إنسان لحصار جوع قاتل، وتدمير منهجي لأبسط شروط الحياة الطبيعية في حلب والغوطة ومناطق أخرى، في عملية تهجير قسري مقصودة للسكان، وباستخدام جميع الأسلحة الكلاسيكية والكيميائية، بينما لم يبق للأمم المتحدة دور سوى الإعراب عن قلق أمينها العام وهي عاجزة حتى عن ضمان إدخال المساعدات الغذائية والأدوية، وإخراج المصابين من تحت الأنقاض، فما بالك بضمان استقلال الدول وسيادة الشعوب، كما تنص عليه مواثيقها.

لكن، في موازاة هذا التصعيد المتسارع والخارج عن السيطرة للعنف، والصراع بين الدول والحكومات والطوائف والجماعات، والتنافس عبر الحدود والسيادات على السيطرة والنفوذ ونهب الموارد التي لا تستطيع الشعوب الصغيرة حمايتها، تتفاقم أزمةٌ عالميةٌ متعدّدة الأبعاد، تنذر بانهيار النظام الدولي والتهميش الكامل للأمم المتحدة، والتنكّر لآخر ما تبقى من الأعراف والقوانين وقواعد العمل بين الشعوب والمجتمعات، تحاول الدول أن تخرج منها، أو تخفّف خسارتها فيها، بتخليها عن مسؤولياتها الدولية، وإعادة صوغ أجندتها القومية، كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر، أي في أكثر صورها بدائيةً، بحيث لا تراعي فيها الحكومات أي مصالح أخرى غير مصالحها الخاصة، ولا تنظر من خلالها إلى مدىً أبعد من سنوات الولاية الانتخابية وحدها، أي لأقل من عقد. وهو ما يدفع العالم، بزخمٍ لا حدود له، نحو وضعٍ تزداد فيه الفوارق والاختلالات بين الطبقات والشعوب والمجتمعات على كل المستويات بشكل انفجاري، ويجعل من المواجهات المتعدّدة الأشكال مصدر فوضى معممة، تهدّد بزعزة استقرار جميع القارات. وذلك مع انهيار الايمان بوجود حاضنة قانونية وسياسية، قادرة على ضمان حقوق الأفراد وصون أمن الدول وسيادة الشعوب.

في هذا السياق، تبرز النزوعات القوية نحو الديكتاتورية، ويدفع انهيار الثقة بوجود حاضنةٍ قانونية بضمان حقوق الأفراد وصوت أمن الدول وسيادة الشعوب إلى انبعاث الهويات التقليدية، الإثنية والدينية، وفيه أيضاً تنمو الرغبة في التقوقع على الذات وفقدان الأمل بقيمة التكتلات الدولية. وفيه أيضا يبرز معنى تصويت الناخبين البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي شكل درعاً للدول الأوروبية جميعا في مواجهة الرياح العاتية للأزمات المتعددة الأشكال التي من المممكن أن تتمخض عنها التحولات الاقتصادية العالمية، في إثر ما سمي بالعولمة وسياسات الانفتاح المتسارع وتكوين سوقٍ عالمية واحدة. ولا يقتصر الأمر، كما يبدو الآن، على بريطانيا. فتيار الانكفاء على السياسات القومية ينمو بشكل مضطرد في إيطاليا وفي بلدان أوروبية أخرى، حتى لو لم يتخذ شكل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وليس فوز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية الأميركية بعيداً عن هذا التوجه، بل إنه التعبير الأكثر فجاجةً عنه، حيث تعلن الولايات المتحدة، على لسان رئيسها الجديد، انسحابها من كل التزاماتها الدولية الجماعية. ومن الطبيعي ألا يكون حامل هذا التوجه من الفئات والشرائح الاجتماعية المندمجة في الاقتصاد المعولم أو المستفيدة منه، وإنما جمهور المهمشين الذي شعر بأنه في طريقه إلى أن يخسر مكانه وموقعه ووزنه في الدولة والمجتمع معاً، بسبب إعادة توزيع علاقات السطلة والنفوذ والثروة على قواعد عولمية جديدة، أعني الجمهور الذي لم يعد يشكّ في أنه مهدّد بأن يصبح من بين الجماعات الواسعة العديدة القابعة منذ عقود على قارعة الطريق، لا مستقبل لها ولا قيمة ولا اعتبار. وهذا هو أيضاً درس الانتخابات الأولية الفرنسية التي فاز فيها رئيس الوزراء السابق، فرنسوا فييون، وهو الذي حرص على أن يظهر في خطابه ذاك التكنوقراطي الذي لا تهمه سوى حماية المصالح الفرنسية، بصرف النظر عن أي مبادئ أو معايير أو قيم إنسانية، أخلاقية أو سياسية.

لا يعرف الجمهور الحائر ما يريده من المرشّحين الذين يصوّت لهم، لقدرتهم على ترجمة مشاعر الخوف والقلق التي تستبدّ به عن حق، إلى كلام سياسي أو شبه سياسي، فهو ليس لديه معرفة كبيرة بأبعاد السياسة الاقتصادية الدولية، وبالاستراتيجيات المتنافسة والمتنازعة على مستوى التكتلات القارية. على الأغلب إن ما ينتظره من هؤلاء الطامحين للحكم، باسمه، هو تطمينه فحسب. وغالبا ما يتخذ هذا التطمين، من الساعين إلى حصد ثمار هذا الخوف والقلق، وإعادة إنتاجه وتضخيمه في الوقت نفسه، لتحويله إلى رصيد سياسي ثابت، أحد شكلين: الأول شرعنة العداء للأجنبي واللاجئ والمختلف، والثاني تفعيل النزعة القومية التي تخفي الفوارق الطبقية والتمايزات داخل البلد الواحد ضد الدول الأخرى والتكتلات وتعزيز الضخ في مشاعر الهوية والخصوصية، على حساب القيم والتقاليد والتوجهات الإنسانية الكونية الانفتاحية المتهمة بتسبيب التدهور في شروط الحياة والمستقبل.

فالأول يقدم للمرشحين لقيادة المجتمعات المتازمة في العقد المقبل كبش الفداء المطلوب الذي لا يفدي بالضرورة أحداً، فتحويل حياة اللاجئين والمهاجرين إلى جحيم لن يحمي أحداً من الخائفين والناقمين، وإنما يفعل العكس تماما. لكنه يقدم للقادة مسرباً إضافيا للتهرّب من المسؤولية أو التغطية على الفشل.
أما الثاني فبمقدار ما ينمّي الشعور بالأنانية والعظمة، ويشجع على التحلل من الأخلاقيات السياسية، وبشكل خاص مبادئ الالتزام بحقوق الإنسان التي أقامت عليها الدول الكبرى، خلال العقود الماضية، سياساتها لتضفي على هيمنتها العالمية صبغةً أخلاقية وإنسانية، يبرّر عمليات السرقة والنهب وصرف النظر عن المذابح التي تجري في عالم مفتوح على كل احتمالات النزاع، ومن وراء ذلك استعادة الروح الاستعمارية والامبريالية الفجة، والتحوط ضد تأنيب الضمير.

إنها العودة إلى روح القرن التاسع عشر الاستعماري، حيث ضاعت القواعد والأعراف، واختلطت القومية بالعنصرية، وصارت تتجلى في العداء للآخر المختلف، بدل أن تتحوّل إلى التزام بالتضامن الداخلي، وحيث استعادت الرأسمالية في طورها الأخير سيرتها الأولى، وتحوّلت مضاربات ومكائد وسطو مسلح أو شبه مسلح على موارد الشعوب والجماعات ونهب واحتلال.
ما يجري في المشرق اليوم هو نموذج مبكّر وفج، أي متوحش ككل نموذج بدائي، لهذا النزوع الذي يدفع العالم إلى التحلل من التزاماته الجماعية، والجري وراء المصالح في صورتها القريبة والمباشرة والآنية وعدم الاكتراث بأي نتائج للأعمال، ولا أي مبدأ أخلاقي أو قيمة إنسانية. وهذا ما يفسر لماذا استمرت الحرب السورية، ولماذا بقي العالم متفرجاً على اجتياح بلد آمن وتدميره من مئات المليشيات المتعدّدة الأجناس والمذاهب التابعة والممولة من دول أعضاء في الأمم المتحدة وموقعة على مواثيقها، ووقوفه اليوم غير عابئ اليوم لاغتيال مدينة الحضارة العالمية بامتياز حلب، وتدميرها على رؤوس أطفالها ونسائها.

إنه عالم ترامب وبوتين وخامنئي وشين جين بينغ (الرئيس الصيني). عالم: انجُ سعد فقد هلك سعيد. عالم أصبح فيه العنف والتطرّف والأنانية سياسة دولية، وصار كبار قادته من أكابر المتطرفين.
العربي الجديد - برهان غليون

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top