0

لابد أنك قد سمعت أن تعويم الجنية يعني أن نترك سعره ليتحدد حسب العرض والطلب، ولعلك تساءلت: إن سعر أي شيء هو قيمته بالجنيه، فما معنى الكلام عن سعر للجنيه؟ .. عندما نتكلم عن سعر الجنيه فإننا نقصد قيمته بالدولار أو بأي عمله أخرى، وإذا سألت: وكيف تتحدد قيم هذه العملات الأخرى، سيقولون لك أنها تتحدد بدورها من خلال العرض والطلب .. هل شعرت بالحيرة؟ .. عندك حق .. على أي حال نحن مضطرون أولا أن نفهم حكاية هذه العملات العائمة، حتى يمكننا أن نعرض وجهة نظرنا في التعويم، وفي البدائل التي يمكن أن تلجأ إليها الدول التي تحرص على شعوبها وعلى إقتصادها.

ما هي النقود؟ .. أو بعبارة أدق: ماذا كانت النقود؟ .. فنحن في الواقع لم نعد نعرف في ظل فوضى الأسعار العائمة ماهي النقود بالضبط.

لا يمكن لأي أنسان أن ينتج كل ما يحتاحه، فهو يتخصص في إنتاج شيء واحد أو مجموعة أشياء، ثم يتبادل مع الآخرين جزءا مما أنتجه ليحصل على احتياجاته المتنوعة، وفي البداية كان الناس يلجأون إلى المقايضة، فأنت تزرع القمح مثلا، فتحتفظ بالقدر اللازم لك ولعائلتك، وتذهب بالباقي إلى السوق لتحصل على الخضروات والملابس، فتجد شخصا لديه خضروات ويريد قمحا، فتعطيه شيئا من قمحك لتأخذ الخضروات، لكن صاحب الملابس لا يريد قمحا، فهو يحتاج للأرز، إذن تبحث عن من يعرض الأرز ويريد القمح .. طريقة صعبة طبعا .. حتى اكتشف أجدادنا أن كل الناس تحب المعادن النفيسة، الذهب والفضة، فأصبح كل ما عليك هو أن تقايض قمحك بالذهب أو الفضة، وبهما يمكنك أن تحصل على ما تريد، ثم تدخلت الدول لتنظيم العملية، فأصبحت تسك بنفسها العملات المعدنية، فوجدنا الدنانير والدراخمات والجنيهات الذهبية .. إلخ.

ما الفرق بين الدينار وقطعة الذهب؟ .. لا شيء، كل ما في الأمر أن النقوش التي على الدينار تعني أن الدولة تضمن لك أنه يحتوي على وزن محدد من ذهب له درجة نقاء (عيار) معينة، أما قطعة الذهب فعليك أن تحمل معك ميزانا حساسا لتعرف وزنها بدقة، وأن تكون خبيرا في المعادن حتى لا يغشوك في نقاء السبيكة التي أخذت منها قطعة الذهب، فيما عدا ذلك لا يوجد أي فرق، فلهما نفس القيمة .. هكذا ظهرت النقود المعدنية من الذهب والفضة (كانت النقود ذات القيمة المنخفضة تسك من معادن رخيصة، كسبائك النحاس والبرونز) .. قطع معدنية قيمتها من نفسها، والدولة تخبرك بهذه القيمة لكنها لا تصنعها.

إستمر الناس في التعامل بالعملات المعدنية حتى العصور الحديثة، لكن الثورة الصناعية والكشوف الجغرافية أدت إلى زيادة هائلة في الإنتاج، وأصبحت الصفقات التجارية من الضخامة بحيث صار حمل قيمتها بالعملات المعدنية يمثل مشكلة حقيقية، هنا ظهرت النقود الورقية، حيث تحتفظ الحكومة بالذهب في خزائنها، وتعطيك إيصالا بقيمة هذا الذهب يشبه "شيك لحامله"، كل من يقدم هذا الإيصال يحصل على قيمته ذهبا، لم يعد الناس في حاجة لحمل قطع العملات الذهبية، فصاروا يكتفون بتبادل هذه الإيصالات فيما بينهم، ولو أنك رأيت ورقة من أوراق النقد المصرية في النصف الأول من القرن العشرين لوجدت عليها عبارة "اتعهد بأن أدفع لحاملة جنيه مصري واحد" ممهورة بتوقيع محافظ البنك المركزي، صحيح أن الورقة التي تحملها في جيبك لا تحمل قيمتها في نفسها، لكنها تدل على امتلاكك لوزن معين من الذهب، ما زال للنقود قيمة محددة ثابتة، فالحكومات لا يمكنها أن تصدر نقودا إلا بقيمة ما لديها من ذهب.

بعد الخراب الذي حل بكل دول العالم واقتصاداتها (عدا أمريكا) بسبب الحرب العالمية الثانية تغير الوضع، فبناء على اتفاقية "بريتون وودز" أصبحت أمريكا فقط هي تلتزم بتغطية عملتها بالذهب، فالحكومة الأمريكية تتعهد بأن تستبدل أي دولار يقدم لها ب 35 أوقية ذهبا، أما سائر الدول فتقوم عملاتها بالدولار، أي أنها تلتزم بأن تستبدل عملتها بقيمة ثابتة من الدولارات، وبدلا من تحتفظ باحتياطيات من الذهب أصبح المطلوب منها أن تحتفظ باحتياطات من الدولارات، وألا تصدر نقودا إلا في حدود قيمة هذه الاحتياطيات .. حسنا .. ما زالت لكل عملة قيمتها المحددة، فإذا كان الجنيه يساوي دولارين (كان يساوي أكثر من ذلك عندما تولى العسكر حكم مصر) فإن امتلاكك لهذا الجنيه يعني أنك في النهاية يمكنك تحويله إلى 70 أوقية ذهبا.

لكن في أعقاب الأزمة الطاحنة في بداية سبعينات القرن العشرين قررت أمريكا أن تتحلل من التزامها باتفاقية "بريتون وودز"، فأعلنت لنها لم تعد مستعدة لأن تستبدل الدولارات بالذهب .. لا تسأل لماذا قبلت باقي دول العالم هذا القرار الأمريكي، المهم أن تفهم مغزاه وما يقود إليه: لم تعد للنقود أية قيمة في ذاتها .. ماذا أصبحت قيمتها إذن؟ .. قيمتها هي ما يتعارف الناس على أنه قيمتها .. ولتضرب رأسك في أقرب حائط إذا لم يعجبك هذا الحال.

بعد إلغاء إتفاقية "بريتون وودز" لم تعد امريكا ملتزمة بأن يكون لديها 35 أوقية ذهبا مقابل كل دولار تصدره، يمكنها أن تصدر أي كمية تشاء من الدولارات، وبالمثل أصبح في وسع أي دولة أن تصدر أي كمية تشاء من عملتها الوطنية، هي مجرد أوراق تطبع في مطبعة البنك المركزي، فكيف إذن تتحدد قيمة أي عملة؟.

في داخل الدولة تحدد قيمة العملة الوطنية (الجنيه في مصر مثلا) بحاصل قسمة قيمة كل السلع و الخدمات والأصول التي يمكن تداولها بيعا وشراءا، على عدد الجنيهات التي أصدرتها الحكومة (هذا الكلام ليس دقيقا، لكنه مقبول لفهم الموضوع الذي نتناوله)، فقيمة هذا الكسر هي قيمة الجنيه الفعلية، إذا زادت قيمة البسط (السلع والخدمات والأصول) زادت قيمة الجنيه، لأن الجنيه الواحد أصبح يقابله كمية أكبر، وإذا زاد المقام (عدد الجنيهات) قلت قيمة الكسر، أي قيمة الجنيه، لأن نفس الأشياء أصبحت قيمتها موزعة على عدد أكبر من الجنيهات .. أصبحات الحكومات قادرة على تغيير قيمة العملة بقرار سياسي لا يعكس بالضرورة أية متغيرات إقتصادية، لكن السلطات النقدية الحصيفة تعمل على أن تكون قيمة هذا الكسر ثابتة بقدر الإمكان حتى تضمن استقرار الأسعار، فلا تزيد من قيمة الإصدارات النقدية إلا بقيمة الزيادة في الناتج القومي، حتى تظل قيمة الكسر ثابتة، إذا زادت الدولة الإصدرا النقدي لمجرد أنها لا تجد ما تدفع به مرتبات موظفيها مثلا، فإن قيمة الجنية ستقل .. ويمكنك أن تفترض أنه إذا زاد الناتج القومي ولم تزد الدولة إصدارها النقدي فإن قيمة العملة سترتفع، وهذا افتراض صحيح، لكن الدول عادة تحتاج لأموال أكثر، لذلك تحاول إصدار أكبر كمية نقود تستطيع إصدارها.

لكن كيف تتحدد قيمة عملتنا الوطنية مقابل سائر العملات؟ .. هناك ثلاث طرق:

الأولى: تحدد الدولة سعرا محددا لتبادل عملتها مع العملات الصعبة، وتعتبر أي تعامل بغير هذا السعر جريمة يعاقب عليها القانون، بالطبع ستنشأ سوق سوداء، لكن حجم التعامل في هذه السوق سيتوقف على مدى قسوة العقوبات وعلى جدية السلطات في تطبيق القانون.

الثانية: تحدد الدولة سعرا محددا لعملتها مقابل العملات الأخرى كي تلتزم به البنوك في المعاملات الرسمية التي تمول من أوعية معينة وتخصص لاستخدامات تحددها خطة الدولة، وتسمح بقيام سوق موازية يتم التبادل فيها بأي سعر يتراضى عليه البائعون والمشترون، وبالطبع يكون السعر في السوق الموازية مختلفا عن السعر الرسمي كما في الحالة الأولى، لكن السوق الموازية منظمة وعلنية ومشروعة.

الثالثة: لا تلزم الدولة المؤسسات النقدية العاملة فيها بأي سعر، لكنها تضع سعرا تراه مناسبا للظروف الاقتصادية ولإمكانياتها، يمكنك أن تسميه السعر التأشيري، ويعمل البنك المركزي على الحفاظ عليه من خلال آليات السوق، فإذا شعر أن العملة الوطنية تعاني بعض الضعف رفع سعر الفائدة ليزداد الإقبال على الاحتفاظ بها فتتماسك قيمتها، أو يقوم بشرائها بالعملات الصعبة، أي أنه يعمل على زيادة الطلب عليها ليرفع من سعرها، والعكس بالعكس، وهذا بالطبع يقتضي أن يكون لدى البنك المركزي إحتياطي كاف من العملات الصعبة يقوم ببيعة ليحافظ غلى استقرار سعر الصرف، وإلا فإن سعر العملة المحلية سينخفض حتما ويصبح السعر التأشيري في خبر كان.

نحن نرفض التعويم لآثاره المدمرة، ليس فقط على الفقراء، ولكن على أي محاولة جادة لتنمية حقيقة، ونحن مع السعر الثابت مع سوق موازية مشروعة، فرغم كل ما يقال عن مشاكل الحل الذي نقترحه، فهو أفضل بما لا يقارن بالخراب الذي سيؤدي إليه تعويم الجنيه .. هذا موضوع طويل نؤجله لمقال قادم بإذن الله.

المصدر جريدة الشعب

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top