0
ستنتج من يطلع على كتاب شيمون بيريز "الشرق الأوسط الجديد" (صدر عام 1996 وترجم لأكثر من ثلاثين لغة)، وما يتضمنه من أفكار تتعلق بالسلام والتنمية، وتطوير المنطقة، أنَّ المعني بهذا الأمر هو دولة إسرائيل وحدها، ما يعني، وبغض النظر عن الشراكة بين العرب وإسرائيل التي يوحي بها الكتاب، أنَّ إسرائيل هي المعنية بالهيمنة الكلية على المنطقة، وهذا يتطلب الوقوف في وجه أي دولة في المنطقة، تحاول كسر هذه القاعدة القائمة على فكرة الهيمنة المترسخة في العقلية الصهيونية.. وإذا كانت إسرائيل تحسب حساباً للبلدان العربية المجاورة أكثر من غيرها، فإنها لا ترحب، بل لا تقبل، بأية دولة أخرى، يمكن أن تأخذ الدور الإسرائيلي المرسوم تحقيقاً للحلم الصهيوني. ولا شك أنَّ عموم الدول الأوروبية وأميركا يشاطرون إسرائيل موقفها هذا، ويدعمونها بالوسائل كافة. ولعلَّ ما يجري في المنطقة منذ ستين عاماً يؤكد هذا الأمر.

وإذا كان حكام عرب قد ساعدوا، من طرف خفي، في هذا الشأن، سواء أكان هؤلاء الذين قاموا بانقلابات عسكرية سموها ثورات، وحكموا شعوبهم بالحديد والنار والأحكام العرفية، مُلْبِسين انقلاباتهم شعاراتٍ براقة، بدءاً بتحرير فلسطين، ومروراً بتحقيق الوحدة العربية، وصولاً إلى بناء مجتمع الحرية والرفاه الاجتماعي، والنهوض بالأمة، واستعادة أمجادها التليدة، أم كان الآخرون الذين سلكوا سياسة السير وفق قاعدة "الحيط.. الحيط، ويا ربي السترة"، مؤمّنين على وجودهم ومصالحهم، ومصالح أسرهم. وهنا، يتساوى الجميع في إيصال الأمة إلى ما هي عليه الآن من بؤس وخراب.

أقول إذا كان حكام عرب قد فشلوا في كسر حاجز التخلف هذا، فإن دولةً أو اثنتين من دول المنطقة استطاعتا أن تكسراه فعلاً، وتعملا على تنمية بلادهما. وما يهمنا هنا هو تركيا التي استطاعت أن تنهض اقتصادياً، وأن تنمو سياسياً، وأن تمدّ نفوذها، بأسلوب سلمي، إلى المنطقة التي هي أفق إسرائيلي كما أشرت. ومن هنا، فإن تركيا من أكثر الدول استهدافاً في المنطقة، وهي لها علاقات سياسية واقتصادية مع أكثر البلاد العربية، ربما تجاوزت معها الحدود المرسومة لها..! وهنا، لا بد من الإشارة إلى الحادثة التي كان لها تأثير كبير على تركيا، وربما فتحت العيون الأوروبية الأميركية الإسرائيلية عليها، أي حادثة الاعتداء العسكري الإسرائيلي الذي تم فيه استهداف قوات خاصة تابعة للبحرية الإسرائيلية ناشطي سلام متضامنين مع قطاع غزة، فجر 31 مايو/ أيار 2010 في كبرى سفن قافلة "أسطول الحرية"، ووصفت الاعتداء بأنه مجزرة، وجريمة، وإرهاب دولة، فقد نفذت العملية باستخدام الرصاص الحي والغاز، وراح ضحيتها تسعة ناشطين أتراك.

كانت العلاقات بين تركيا وسورية، حينذاك، سمناً على عسل.. وقد فوتت سورية تلك الفرصة عليها، بحسن نية أو بسوئها، على الرغم من أنَّ العلاقة بين تركيا وإسرائيل قد ساءت طويلاً إلى أن أعادها إلى طبيعتها خراب العلاقات السورية التركية، بإرادة سورية، ربما ولدتها شهوة الحكم أو إرادات إقليمية منافسة. تلك العلاقات التي لو استمرت، لغيرت، فيما أعتقد، الكثير في معادلة الشرق الأوسط الإقليمية.

أتيت على ذلك لأقول إن تركيا من أكثر الدول استهدافاً في المنطقة إسرائيلياً وأوروبياً وأميركياً، وبغض النظر عما يربطها في الظاهر من علاقات ودية مع تلك الأطراف. والانقلاب العسكري الفاشل في 15 يوليو/ تموز 2016 دليل على ذلك! وقد أفشله الشعب التركي، وبجهد من حكومته ويقظتها، وفي مناخ تركي، سياسي واقتصادي، لم يعد صالحاً لنمو بذرة الانقلابات العسكرية.. لكن الدولة التركية لا تزال تعيش القلق على غير صعيد، ويرى المتتبع ذلك بوضوح، وبغض النظر عمَّا يؤثر في سياسة تركيا من أوضاع مقلقة في كل من سورية والعراق، فالأوضاع التركية لم تهدأ، لا سياسياً ولا اقتصادياً، ولم تسلم عدة مدن من عمليات التفجير الإرهابية، غازي عنتاب جنوباً واسطنبول شمالاً، مروراً بماردين شرق البلاد، وبأنقرة وسطها، والمتهم فيها غالباً هو حزب الشعوب، لكنَّ تهديد خليفة تنظيم الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، ليس خافياً على أحد، إذ وصفها بالدولة العلمانية الكافرة، بينما هي، في الذهنية الأوروبية والأميركية أيضاً، وريثة الإمبراطورية العثمانية التي لا بد أن تكون في الأفق الغربي والأميركي.. فالمصلحة بين الطرفين واحدة فيما يبدو.

ما يمكن قوله مما تقدم إنَّ فشل الانقلاب يجب ألا يعني مطلقاً أن الانتقام من هذا الحزب التركي أو ذاك مبرّر، وإن كانت التهم موجودة فعلاً، بل إنَّ ما يعنيه بكل تأكيد، وبالجدية كلها، أنْ تستمر تركيا في نموِّها الاقتصادي، وبأسلوبها الديمقراطي في الحكم الذي قادها، في الأساس، إلى أن تكون دولة قوية يُحسب حسابها، وهذا ما أكّده الشعب التركي، بأحزابه كافة التي ملأت شوارع المدن الكبرى في أثناء مجابهتها الانقلاب.. ولكن، هل تراجع خطر الانقلاب كلياً؟ لا أعتقد، ويقوي هذا الرأي سلوك الحكومة التركية سياسات انتقامية، قد تفعل فعلها المعاكس في ظروف أحوج ما تكون فيه إلى وحدة الصف، وتلاحم القوى حول شعارات الديمقراطية والتنمية ورفاهية الشعب.
العربي الجديد - محمود الوهب

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top