0
اليوم، وقد اقتربت مغامرة "داعش" من نهايتها، أصبح من الضروري الوقوف عند نتائجها. والمقصود بالمغامرة، هنا، هو إعلان إقامة دولةٍ على أرضٍ تمت السيطرة عليها، واتخاذها منطلقاً لاستئناف الخلافة الإسلامية. وما يجري، هذه الأيام، في مدينة الموصل أهم دليل على ذلك، حتى لو نجح تنظيمٌ في الدفاع عن نفسه أسابيع أخرى، فالقرار الدولي قد اتخذ بدعم من جميع الأطراف، لأن "داعش" لم يترك أحداً في العالم إلا وعاداه وحاربه وهدّده، حتى أصبح هدفاً لجميع الأطراف، بمن في ذلك مختلف مكونات الساحة الدينية في العالم الإسلامي، من "إخوان مسلمين" وصوفية وجماعة التبليغ وعموم السلفيين، وصولاً إلى أتباع تنظيم القاعدة. اعتقد أتباع مشروع الدولة أنهم أصحاب الفرقة الناجية، وكل من خالفهم في الفهم وفي المنهج وفي السياسة قد "ارتدّوا عن الحق، وخالفوا الإمام وركنوا للشيطان".

نجح مؤسسو التنظيم في استثمار التمييز الذي تمت ممارسته ضد سنّة العراق، وجعلوا من ذلك أحد مكونات أيديولوجيتهم، وأحد مقومات خطتهم التعبوية، وعاملاً من عوامل تلقي الدعم السياسي والمالي، وحتى العسكري، من عديد الأطراف والحكومات المتخوفة من تصاعد دور إيران الإقليمي. لكن ما يلاحظ اليوم أن هذه الخطة التي اعتمدها تنظيم الدولة الإسلامية قد استنفدت أغراضها، وأن ورقة الدفاع عن سنة العراق ليست كافيةً لخدمة مشروع التمكين السياسي لمؤسسي هذه الحركة.

لن تحمي الخطة التنظيم الذي فشل في استقطاب الطائفة السنّية في العراق، وما هروب آلاف من المدنيين من سلطة "داعش" وعدم القتال في صفوفها، أو الدفاع عنها سوى دليل على أن التنظيم لم يتمكّن من تسويق النموذج المجتمعي الذي يحارب من أجله، ويزعم أنه البديل الأصلح. وعلى الرغم من مخاوف السكان السنة، خصوصاً من الحشد الشعبي الشيعي، الا أنهم يفضلون اليوم مغادرة الموصل بأي طريقةٍ وبأي ثمنٍ على أن يستمروا تحت حكم "دولة الخلافة".. وهذا سلوك طبيعي عندما يكون السكان مجبرين تحت عامل الخوف من الخضوع لمجموعةٍ تريد أن تفرض بالقوة نمطاً من الحياة بشكل تعسفي، وتسمح لنفسها بالتدخل في شؤونهم الداخلية، وأن تخضعهم، رغم أنفهم، لاختياراتٍ غير مقتنعين بها.

يجد السنة في الموصل، اليوم، أنفسهم أمام مصير مجهول. إذ يجري الحديث الآن عن تقسيم المحافظة إلى ثلاثة أقسام وفق أسس طائفية. ولا يعلم أحدٌ ما الذي يمكن أن يترتب عن هذه الحرب الدائرة حالياً، وهناك من العراقيين السنة الذين يخشون أن يكون مستقبلهم أسوأ من حاضرهم، لأن موازين القوى أصبحت لغير صالحهم. وعلى الرغم من تحذيرات كثيرين من خطورة مشاركة الحشد الشعبي في معركة الموصل، فقد كانت النتيجة ليست فقط هذه القوة العسكرية الضخمة ذات التعبئة المذهبية، وانما أيضا القيام بإدماجها داخل الجيش العراقي.

وجد تنظيم الدولة الإسلامية نفسه محاصراً داخل مربع صغير، وهو متهيئ، في نهاية المعركة، لمقتل جميع قياداته وكوادره الصلبة التي بناها في المرحلة السابقة. وما ستقوم به عناصره خارج الموصل من عمليات انتحاريةٍ لن يخفف من حدة الحصار، ولن يغير كثيراً من النتيجة النهائية للمعركة الحاسمة والمفصلية.

انتصرت الطائفية في العراق، وستزداد استفحالاً في المرحلة المقبلة، وبدل أن يخفف تنظيمٌ منها حصل العكس تماماً، إذ زاد في تغذيتها وتأجيجها، وبالتالي، عوض أن يكون مشروع الخلافة عاملاً حاسماً في إجهاض المشروع الاستراتيجي لإيران، تحول هذا المشروع إلى وسيلة إضافية لتعزيز التوسع الإيراني. وكما سبق أن وفرت الإدارة الأميركية الفرصة التاريخية لطهران، عندما احتلت العراق، وأطاحت نظام صدام حسين، ها هو "داعش" يصل الى نتيجة مشابهة، عندما وفّر الفرصة للتقدم خطوة أخرى نحو إعادة تشكيل العراق، بطريقةٍ زادت من تقزيم السنة، وإخراجهم نهائيا من اللعبة. وبذلك، بدل قيام خلافةٍ سنيةٍ أدى مشروع داعش إلى مزيدٍ من تجزئة المجزأ.
العربي الجديد - صلاح الدين الجورشي

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top