0
أهم مراحل العلاج هو التشخيص، فلا قيمة لعلاج يتجاوز التشخيص. عندما نضع يدنا على المرض، عندئذ يصبح اختيار العلاج سهلاً جداً. لكننا دائماً اعتدنا على تغطية عيوبنا وأمراضنا. ونحن نعلم إذا كان لديك دمل على يدك، فلا يمكن أن تعالجه بتغطيته بمنديل ورقي، بل يجب أن تعرضه على الطبيب كي يداويه أو يستأصله. أما التستر عليه بالمناديل فلن يحل لك المشكلة.

تعالوا الآن نشخص سبب تدهور الأوضاع في العراق وسوريا واليمن وليبيا بعد الثورات؟ لماذا لم تنتقل شعوب تلك البلدان من حالة الطغيان والحكم الشمولي إلى الديمقراطية، أو على الأقل إلى حال أفضل قليلاً كما فعل الأوربيون في أوروبا الشرقية حيث انتقلوا من الشيوعية إلى الديمقراطية بسرعة قياسية، بينما ما زلنا نحن في بلاد الثورات نصارع إما الأنظمة القديمة أو نصارع بعضنا البعض كما هو حال الفصائل في سوريا واليمن وليبيا.

هل الفصائل التي تقاتل الجيوش في سوريا واليمن وليبيا والعراق تريد فعلاً التخلص من الطواغيت وأنظمتهم الطغيانية، أم إنها تريد فقط أن تحل محلهم؟ هل ثارت الشعوب كي تستبدل طاغية بطغاة أو طاغوت بطواغيت؟ هل ثارت كي تستبدل الفالج بالسرطان؟ هل ثارت كي تستبدل بشار الأسد بأبي بكر البغدادي؟ انظروا على ماذا حصل العراقيون بعد أن تخلصوا من صدام حسين. لا شك أن صدام كان ديكتاتوراً، لكنه كان الديكتاتور الوحيد في البلاد. ورغم مساوئ الديكتاتورية الرهيبة، إلا أنها كانت أفضل للعراقيين بعشرات المرات من الديمقراطية الأمريكية التي جاءتهم على ظهور الدبابات. حتى أكبر معارضي النظام العراقي السابق باتوا يترحمون على صدام حسين الديكتاتور. ويرى رجل الدين الشيعي والسياسي والمؤلف العراقي الشهير إياد جمال الدين أن "زمن الديكتاتورية كان أفضل من الآن بمرات ومرات لأن صدام على الأقل حفظ الأمن والاستقرار في العراق.


وبدل الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية، صار كل المعارضين يريدون أن يحلوا محل صدام، فصار لدينا عشرون صدام شيعي على أربعين صدام سني على خمسين صدام كردي، فبات الناس يترحمون على الديكتاتور الأوحد، بعد أن انتشر التشتت والتفلش، وصار العراق إقطاعيات طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية وعشائر. نعم نحن نريد الحرية، لكن حرية مع أمن، لا حرية وفلتان وقتل ونهب وسلب وميليشيات. لقد كنت من أقوى أنصار الديمقراطية، لكني الآن أتمنى لو يعود الديكتاتور ليحافظ على الأقل على دم الناس. صحيح أن صدام كان يقتل، لكن الآن لدينا عشرة آلاف صدام يقتلون الناس لأتفه الأسباب".

وقد انتقل السيناريو العراقي إلى ليبيا وسوريا واليمن. كم قذافي هناك الآن في ليبيا؟ كم علي عبدالله صالح في اليمن؟ كم بشار الأسد في سوريا؟ بدل أن تسعى الفصائل الليبية لبناء الدولة ولملمة الجراح بعد سقوط القذافي راحت تتقاتل على المناصب والغنائم، وكأن الشعب الليبي كان يريد أن يستبدل عقيداً بمئات العقداء؟ وحدث ولا حرج عن سوريا المتشظية. كم فصيل لدينا على الأرض يقاتل النظام؟ أحد المعارضين تحدث عن حوالي ألفي فصيل. تصوروا ألفي فصيل لكل واحد منهم أجندته وتوجهاته وإماراته وقادته ومصالحه الخاصة وميزانياته وحدوده. ولو كانت تلك الفصائل على قلب رجل واحد لا بأس، لكنها بدل أن تتحد في مواجهة النظام الفاشي راحت تتقاتل فيما بينها.

 وعندما ترى حجم الضغائن والأحقاد والانقسامات والتنافس بين تلك الفصل، لقرأت السلام فوراً على الثورة وعلى البلاد. هل هذه فصائل تريد أن تحقق الأمن والاستقرار والازدهار للشعب السوري، أم تريد أن تتقاسم أشلاء البلاد فيما بينها؟ بأي شرع ستحكم إذا كانت تكفّر بعضها البعض، ولكل واحد منها سياساته ومخططاته ومصالحه الخاصة ومواقعه؟ هل تملك تلك الفصائل أمرها أصلاً أم إنها مجرد أداة في أيدي المتلاعبين بها؟ ألم يدعم ضباع العالم المجاهدين الأفغان في الماضي، وعندما حققوا أهدافهم، راحوا يدقون الأسافين بين المجاهدين لتمزيقهم والتخلص منهم؟ هل يتكرر المشهد الأفغاني في بلادنا؟

هل ثارت الشعوب لاستبدال طاغية بطواغيت؟
المصدر اورينت نت

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top