0

خلق الله آدم ومنه حواء، ونفخ فيهما من روحه، وأسكنهما الجنة رفقة الملائكة الذين لم يخفوا دهشتهم من هذا الكائن الجديد، الذي ستغرق ذريته الأرض بالدماء، هبط آدم وحواء وثالثهما الشيطان إلى مسرح الأحداث، ليبدأ العرض الذي لا نعلم متى ستنتهي فقراته، استطاع الجني الفذ وبكل براعة أن يزرع الخلاف بين الشقيقين، فقتل أحدهما الآخر، وللمفارقة لا يوجد إنسان من نسل القاتل يحمل اسم الضحية، بل صار قابيل اسمًا متداولًا بين بني آدم.
بعد ذلك بفترة غادر ثالث نبي بعد آدم وابنه شيث، إدريس عليه السلام والذين آمنوا معه أرض العراق، خشي بعضهم ترك الفرات فما كان من النبي الموقن بربه إلا أن قال لهم: «إذا هاجرنا رزقنا الله غيره»، فساروا باتجاه الغرب، من بلاد الرافدين شرقًا مرورًا بسيناء حطت رحالهم في المحروسة، وفور وصوله شاهد النهر الخالد فوقف على ضفته ورفع يديه إلى السماء شاكرًا لله الذي عوضه وقومه بالنيل وواديه الخصيب.
فكانت مصر مستقرًا لصاحب الأوليات في التاريخ، فهو أول من خط بالقلم -دعك من هراء الهواة بأن الصينيين أول من كتب-، وأول من خاط الثياب، وأول من أرسى قواعد المدن، كما أنه أيضًا أول من زرع على التقويم القمري مستخدمًا النجوم وحسابات الفلك، وهي شهور التقويم القبطي الآن، ثم لاقت دعوة النبي العبقري، قبولًا وترحابًا من شعب مصر، وآمنوا بالإله الواحد، وعرفوا قصة آدم وأخبرهم عن حفيده نوح، ثم نهلوا من علم الرجل الغزير، وخلدوه على جدران المعابد «أسطورة أوزوريس»، وتمكنوا من صناعة أعظم حضارة عرفها التاريخ، كانت وستظل شامخةً في وجه الأزمنة الغابرة بكل كبرياء، لم يستطع محتل أن يطمسها، ولا جهل أن يدمرها، وإلى يومنا هذا تسرق خيراتها وتحت ترابها الكثير.
أصغر تفصيلة من بقايا أجدادنا تثبت أن مصر استهلت التاريخ، وسطرت بداياته بالإبداع والجمال والفنون والتوحيد وكل شيء، ولكن للأسف في هذه الأيام المظلمة يتطاول علينا أبناء الأمس الذين عاشوا على فتات خيراتنا التي حملتها قوافل عبرت سيناء منذ القدم، وإلى سنوات ليست بالبعيدة، هؤلاء ودويلاتهم التي أرساها الاحتلال مجرد عرض وبضعة أسطر في أوراق التاريخ، لم يقدموا أي إسهام للبشرية، لم نر منهم عالمًا ولا مبتكرًا، ولا حتى فنانًا حقيقيًّا ولا أي شيء، ولكن رفع القلم عن الذين لا يعرفون أصلًا معنى الحضارة.
ثم كانت هجرة الخليل إبراهيم، عليه سلام الله ومحبتنا، من العراق أيضًا مرورًا بسيناء إلى مصر التي أكرمته بالسيدة هاجر المصرية التي أنجبت له إسماعيل «أبو العرب» المستعربة، وحتى يستقيم القول لا يعقل أن ينتمي الأصل إلى فرع، ولكن الفروع دومًا تظل تابعة رغمًا عنها، وخرج الخليل محملًا بهداياه الثمينة عبر سيناء مرة أخرى، متجهًا صوب أراضي الحجاز القاحلة، وتحديدًا في بطحاء مكة، التي باتت قبلة لكل من اتبع ملة إبراهيم بفضل مثابرة المرأة المصرية الأصيلة التي لم يتزحزح إيمانها بالإله الواحد، فأخرج لها الماء من تحت أقدام الرضيع، ليأتي لها الناس من كل فج عميق.
بعد مؤامرة بالغة القسوة ألقى أبناء النبي يعقوب أخاهم في بئر، ثم عثرت عليه قافلة متجهة إلى مصر ليمر يوسف بسيناء، ولم يعلم من البائع والمشتري أن هذا الصبي سينقذ البشرية من مجاعة مهلكة، ويقدر الله للجميل أن يسجن لأنه تمسك بالشرف، وبعدها تبوأ مكانة عظيمة بتوليه خزائن الأرض، وتحكمه في مقدرات البلاد والعباد، ليرسل بعد ذلك إلى أبيه يعقوب وباقي إخوته ليأتوا لأرض الحضارة والخير والرخاء، فمر إسرائيل وأبناؤه بسيناء أيضًا، ومكثوا أعوامًا ينعمون في أرض النيل بكل خيرات الله، إلى أن تبدلت الأحوال بعد طرد الهكسوس.
فأتى الكليم موسى بن عمران عليه السلام، النبي الذي قتل دفاعًا عن الضعيف بعد اكتسابه شهامة المصريين الذين نشأ بينهم، خرج من أرض النيل بعد أن حاد الحاكم عن الحق، ومر بسيناء، قضى سنوات في الغربة، وعاد مرة أخرى فأخذ استراحة في أرض الفيروز، وكان في انتظاره ما لم يتوقعه إطلاقًا، تحديدًا في الوادي الأيمن من البقعة المباركة في جبل يحمل اسمه، سمع من يناديه: اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس، إني أنا الله.
تجلى الإله الواحد على أرض سيناء، وفي ميقات بين الملك وأكثر الأنبياء معاناة مع الحاكم والناس، تجرأ موسى قائلًا: رب أرني أنظر إليك، فأجابه الخالق: لن تراني، كان دافع موسى لهذا الطلب الجريء هو الحب، ولأن الله لا يقابل الحب إلا بالحب، قال له: ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه سوف تراني، وبعد نزول ملائكة السماوات في أفواج متتالية خاف موسى من هول ما رأى، ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة، فلما بدا نور العرش اندك الجبل من عظمة الرب، وخر موسى صعقًا، وبعد استفاقته قال: آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ثم رجع إلى مصر وخرج بقومه بعد معاناة رهيبة مع الحاكم الضال، وعبر البحر بمعجزة خارقة متجهًا إلى الأرض المباركة، التي شهدت على معاناته مع قومه فكان التيه عقابًا لهم.
قرون مرت على من دخلوا القدس مع يوشع بن نون، الفاتح المدمر الذي انطلق من أرض سيناء، لتخرج السيدة التي اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، هاربة بالمسيح خشية أن يقتله حاكم ظالم، فعبرت أم النور سيناء وكانت رحلتها في مصر شاهدة على هذا الشعب الأبي وكرمه، ونجدته لها، أخذت مريم العذراء مستقرها ثم قررت العودة مرة أخرى عبر سينين إلى القدس.
أما خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله، حفيد المصرية هاجر زوجة الخليل إبراهيم عليهم جميعًا كل السلام والمحبة، فقد صلى ركعتين في طور سيناء خلال رحلته الغيبية «الإسراء والمعراج»، وأيضًا سيعود لها المسيح في آخر الزمان مع المؤمنين، ويصعد على الجبل في سيناء محتميًا من يأجوج ومأجوج الذين ستكون أرض الفيروز مقبرة لهم.
هكذا كانت سيناء ممرًا آمنًا للذين اختصهم الله برسالاته من الأنبياء وذويهم، وكان لها نصيب من الذكر في كتب سماوية تمامًا مثل مصر، نجد سفر الخروج في التوراة الإصحاح التاسع عشر «في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر في ذلك اليوم جاءوا إلى برية سيناء»، أما في القرآن أول موضع باسم سيناء في سورة المؤمنون الآية 20 «وشجرة تخرج من طُور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين»، والآخر في سورة التين الآية 2 «وطور سينين»، بالإضافة  إلى مواضع عدة خاصة بالجبل والوادي المقدس داخل محكم التنزيل.
الله لا يأمرنا بإراقة الدماء بل خلقنا لنعمر الأرض، وتجلى على قدس أقداس مصر فحظيت سيناء بمكانة خاصة عند المليك المقتدر، ولكن بعض بني آدم انتهكوا قدسيتها وباتت «سينين» مرتعًا لمجموعات من الإرهابيين الذين يقتلون جنودنا غدرًا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، يجب على الجيش وقادته أن ينقبوا جيدًا في تاريخ مصر ليعرفوا أن العظيم تحتمس الثالث عبر سيناء بجيوشه 17 مرة لأنها بوابة الخطر الحقيقي على مصر، فكما يقول الراحل صاحب «شخصية مصر» المخضرم جمال حمدان في كتابه «سيناء في الإستراتيجية والتاريخ والجغرافيا»: «إن تكن مصر صاحبة أطول تاريخ حضاري في العالم، فإن لسيناء أطول سجل عسكري معروف في التاريخ تقريبًا».
نزيف الدماء الطاهرة التي تروي أرض الفيروز لا بد وأن يتوقف، فكم من أم فقدت أملها، وفتاة ودعت حبيبها على أمل اللقاء فهدم الإرهاب معبد عشقها بعد ارتقاء فارسها شهيدًا، وصبي انتظر إجازة أخيه الأكبر فاستقبله في نعش، والآلام كثيرة، قلوبنا تقطر دمًا على ضباط وجنود لا تتوفر لهم الحماية الكافية، يقفون في العراء، لا أنكر شجاعة الرجال وقوة بأسهم، إنهم لا يهابون الموت؛ بل يستقبلونه بكل جرأة وبسالة دفاعًا عن مصر.
بيجين كان أذكى من السادات عندما طبق مبدأ «الدبلوماسية بديل القوة»، واستطاع توفير موارد ضخمة لإسرائيل ومنحها رفاهية اقتصادية، لأنه أغلق أخطر الجبهات على وجود الدولة العبرية بالانسحاب من سيناء، ولكننا لم نعمر الأرض المقدسة وتركناها مهمشة، أعلم أن قواتنا المسلحة طوت اتفاقية «منتجع داوود»، ولكن الاعتراف بالتقصير نصف الحل، والشفافية ستعجل بإنجاز المواجهة مع العدو، لن يجدي نفعًا القصف بالطائرات والاجتياح بأرتال الدبابات فقط، بل يجب تجفيف منابع الإرهاب بمقاومة الفكر المسموم والتحريض على القتل باسم الدين، وكف الظلم، والتوقف عن اعتقال الشباب، وغير ذلك.
هناك مئات بل آلاف الدراسات الخاصة بتنمية وتعمير هذه الأرض، ولو أن مليارات التفريعة وضعت في أرض الفيروز لكان خيرًا لنا، آن الوقت أن نصحح أخطاء الأنظمة السابقة، سيناء هي مصر الصغرى لأنها تجمع بين اقتصاديات الصحراوين الشرقية والغربية، فساحلها الشمالي المطير خصب للزراعة، ولا تنقصه الموارد المائية المعقولة، والشرقي يعد ساحلًا للرعي، أما الغربي فهو ساحل التعدين والصيد، هذه الأرض الطيبة ما زالت بكرًا بكل خيراتها فهي تكتظ بالموارد مثل البترول، والحديد، والفوسفات، والمنجنيز، والفحم، والكاولين، الجبس، وأنقى مناجم الرمال البيضاء التي تستخدم لصناعة أفضل أنواع الزجاج. سيناء هي أول مناجم مصر القديمة بل والعالم، بالإضافة إلى أماكنها الخلابة التي تجعلها قبلة للسياحة بكل أنواعها، فلماذا تتجاهلون خيراتها التي ستعمرها وتمنع الإرهاب، أليس منكم رجل رشيد؟
من مزايا عهد جمال عبد الناصر أن الدولة وقتها كانت تمتلك فكرًا استطاع سحق كل السموم الإخوانية، وقطع الطريق على الوهابية، ولكن السادات أطلق كلاب الإرهاب المسعورة داخل مصر وخارجها لأنه وفر بيئة خصبة للمخربين بعد أن أخرجهم من السجون لمواجهة الشيوعيين ومحو كل ما يتعلق بخالد الذكر، أما الآن فحرب تكسير العظام بين المؤسسات تركت فراغًا كبيرًا زاد معاناة الفقراء والمساكين، حاسبوا الذين أخرجوا 835 عنصرًا تكفيريًّا خطرًا من السجون وتركوهم يتجولون بحرية هناك، ليغتالوا رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله ومصر عليه، قاوموا تجار الدين وأوقفوا شياطين الوهابية الذين خربوا سوريا الشقيقة بدعم آل سعود بسبب ثأر قبلي عفن، ويتربصون بكم الدوائر، حاصروا شرور الإخوان الذين لا يرقبون في مصر إلا ولا ذمة.
«قد نختلف مع النظام لكننا لا نختلف مع الوطن، ونصيحة أخ لا تقف مع ميليشيا ضد وطنك حتى لو كان الوطن مجرد مكان ننام على رصيفه ليلًا»، كما قال جلال عامر رحمه الله، الفكر لا يجابه إلا بالفكر، أما الغلابة فلن يخرجوا من أجل بطونهم في نوفمبر، فهم من أطلقوا حكمًا مثل «محدش بيبات من غير عشا»، «محدش بيموت م الجوع» وغيرها، هم شعب خير وليسوا محدثي نعم، الثورة الحقيقية تكون على الفكر العفن ودعاته أولًا، ثم بعد ذلك سيكون من السهل الإطاحة بأي حاكم، الثورة ليست عاهرة نضرب لها موعدًا، ورجالها لا تغريهم الغنائم، مشردون على أرصفة الوطن حزنًا، من رحم الإحباط يزرعون الأمل من أجل مصر وإعادة حيويتها الفكرية والفنية والسياسية والاقتصادية، ستظل مصر خالدة بالمخلصين، وسيبقى ترابها أغلى من ذهبها، وختامًا إليكم «وهبت عمري للأمل» مع الشيخ إمام:
وح اضم أملي بعد شوق بعيني
وبالإيدين المعروقين يا مناجل
أطوي ضلامي بالصباح العاجل
وانزل بشومتي ع الغراب الحاجل
ويا يبقى شغل وغنا.. طول السنة
يا تبقى ثورة في البلاد ومراجل
والوعد دين
المصدر ساسا بوست

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top