0

السيد أبو داود

منذ أن سقط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أصبحت بلاد الرافدين مسرحًا للتدخلات الأجنبية وللوجود الأجنبي وللقواعد الأجنبية، وكل ذلك من منطلق الاعتماد على هذه القوات في التخلص من نظام البعث المتجذر في البلاد، ودخل العراق مئات الآلف من الجنود الأمريكيين وحلفاؤهم من الأوروبيين، وحتى بعد مغادرة غالبية القوات الأمريكية للعراق عام 2011 بقيت عدة آلاف من الجنود والضباط، كما بقيت عشرات القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

لكن هذا كله في كفة والوجود الإيراني في كفة، فقد وصفت مجلة نيوزويك الأمريكية العراق بأنه تحول إلى دولة عميلة لإيران، وأن تعداد المليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق تجاوز 80 ألف مقاتل مدربين ومسلحين بأحدث أنواع الأسلحة.

وأوضحت المجلة في تقرير لها، أن معركة الموصل المرتقبة لاستعادة المدينة من تنظيم الدولة تؤكد مجددًا أن للإيرانيين، حلفاء العراق، دورًا فاعلًا في توجيه مسارات الحكومة العراقية.

وأشارت المجلة إلى أن الاستثمار الإيراني المتنامي في العراق في تصاعد، وأن بغداد في طريقها لتكون تحت النفوذ الإيراني بالكامل، خاصة أن قدرتها على تشكيل اتجاهات الحكومة العراقية باتت واضحة.

قوات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، هما القوات الإيرانية الأكثر تغولًا وقدرة في العراق، حيث باتت تلك القوات نواة التدخل الإيراني الواسع، ففي العام 2014 بدأت إيران التخطيط فعليًا لجعل العراق منطقة عازلة أمام أي قوة سنية يمكن أن تتشكل بالعراق، أو حتى أمام عودة النفوذ الأمريكي للعراق.

سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من العراق عام 2014 دفع القادة العراقيين إلى تشكيل ما يعرف بالـ"حشد الشعبي"، وهي قوات يبلغ عددها قرابة 100 ألف مقاتل، كما سمحت بغداد بعودة القوات الأمريكية لزيادة الدعم للجيش العراقي.

المليشيات الشيعية التي شكلت عقب عام 2014 باتت اليوم هي أهم قوة في العراق، وهي في ذات الوقت تعتبر وكيل إيران، متمثلة بفيلق بدر الذي يتزعمه هادي العامري، الذي يمثل اليوم زعامة تفوق زعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

الحرس الثوري الإيراني يدعم اليوم قرابة 80 ألف مقاتل، من ضمنهم منظمة بدر التي يفوق عدد مقاتليها 20 ألف مقاتل، وأيضًا حزب الله العراقي، وكتائب عصائب أهل الحق، وفصائل أخرى يراوح عدد مقاتليها بين ألف و10 آلاف مقاتل.

وهكذا، بات واضحًا اليوم أن القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية لا يمكنها كسب أي معركة ضد تنظيم الدولة دون الاستعانة بقوات الحشد الشعبي التي تريد لها إيران أن تكون دعامتها الجديدة لضمان الأمن والسياسة في العراق.

ويرى المراقبون أنه بمجرد استعادة مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة، فإنه يتوقع أن تتحول المليشيات بقيادة هادي العامري إلى قوة حكومية دائمة تحت إشراف فيلق بدر، لتكون لها السيطرة بدلًا من الجيش العراقي أو القانون.

وترغب طهران في تحويل المليشيات الشيعية إلى قوة عسكرية على شاكلة حزب الله في لبنان، رغم أن إيران تدرك جيدًا حجم التنوع حتى بين الجماعات الشيعية العراقية.

وكانت إيران قد شكلت المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق إبان حربها مع بغداد مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهذا الكيان السياسي الذي عاد إلى العراق عقب الغزو الأمريكي تحول إلى قوة سياسية وعسكرية وانبثق منه فيلق بدر الذي تحول إلى منظمة لاحقًا، مع الاحتفاظ بمليشياته العسكرية المسلحة.

ومنذ العام 2003 وحتى اليوم، عملت القيادة الإيرانية على منع تحول العراق إلى قوة مستقلة، بل عملت طهران على إبقاء العراق ضعيفًا ونشر الفوضى في أرجائه، لكن الأوامر الإيرانية الحديثة للحكومة العراقية هي أن تثير أزمة وترفع صوتها عاليًا وتشكو للجامعة العربية وللأمم المتحدة بخصوص الوجود التركي الرمزي في قاعدة "بعشيقة" بالقرب من الموصل، وغير خاف أن إيران شديدة الحساسية من أي دور لتركيا في العراق.

وهكذا فإن إيران والحكومة العراقية الطائفية التابعة، ليس لديهم حساسية من أية قوة احتلالية أو قاعدة أجنبية أو ميليشيا تقودها إيران، وإنما حساسيتهم هي من قاعدة تركيا صغيرة.

إن أنقرة تصر على الاشتراك في المعركة مع حلفائها من الأكراد وقوى محلية عربية في معركة الموصل المرتقبة، وتشدد على ضرورة استبعاد الفصائل الشيعية من دخول الموصل.

تركيا ترى أن وجودها في معسكر بعشيقة ضروري لمحاربة "داعش"، حيث تدرب مقاتلين وتمدهم بالسلاح لهذا الغرض (وقواتها في هذه القاعدة لا تزيد عن 3000 عنصر)، بينما يرى المسئولون الأتراك أن مشاركة مقاتلين شيعة في معركة الموصل لن تحقق السلام لأن أغراضهم طائفية، لكن مشاركة القوات التي دربتها تركيا مهمة لنجاح العملية.

الطائفيين العراقيين أخذوا القضية قضية حياة أو موت، فهذا زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، وانضم إليه بعد ذلك مقتدى الصدر يقولان: "لن نسمح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقواته بالمشاركة في عملية تحرير الموصل .... الحشد الشعبي سينتصر في الموصل وسيبقى في الموصل وسنذهب إلى الموصل ولن نسمح لأردوغان بمشاركة قواته في المعركة".

أنقرة تؤكد أن وجودها في "بعشيقة" تم بموافقة وزارة الدفاع العراقية وإقليم كردستان ومحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، بهدف لتدريب المتطوعين وقوات البيشمركة استعدادا لمعركة الموصل، وتؤكد أنها تستخدم حقوقها المشروعة بموجب القانون الدولي، وأنها تدافع عن وحدة الأراضي العراقية أكثر من الجميع.

تركيا ترى أن عملية انتزاع الموصل من "داعش" يمكن أن تشعل القتال السني الشيعي، إذا سيطرت الميليشيات الشيعية على المدينة، خاصة وأن الرئيس التركي كان قد أعلن أنه ما إن تتحرر الموصل، ينبغي ألا يسمح إلا للسنة العرب والتركمان والأكراد المسلمين بالبقاء في المدينة.

تركيا لا تفعل ذلك من قبيل حب التدخل في شئون الدول الأخرى، وإنما هي تريد تضييق الخناق على حزب العمال الكردستاني، الذي يختبئ كبار قادته في جبال قنديل التي تفصل العراق عن إيران، تقصف المقاتلات التركية بانتظام قواعد الحزب، وقد جن جنون الطائفيين العراقيين عندما نشرت تركيا دفعة جديدة من القوات الخاصة مدعومة بنحو 20 دبابة في بلدة بعشيقة في شمالي الموصل، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وتشعر تركيا بالقلق تجاه مخططات حزب العمال الكردستاني في سنجار، حيث انتشرت قواته للمساعدة في إنقاذ الأيزيديين من مذابح داعش في أغسطس/ آب 2014. ومنذ ذلك الحين يساعد العمال الكردستاني الأيزيديين على تشكيل وحدات عسكرية ومجالس محلية خاصة بهم بهدف توسيع نفوذ الحزب في شمال العراق. وتشجع بغداد هذه التحركات من جانب العمال الكردستاني في محاولة لإبعاد الأيزيديين عن الأكراد العراقيين الذين يدعون أن سنجار مدينتهم.

ويتمثل أحد أبرز أسباب تصاعد الخلاف التركي العراقي في سماح حكومة العبادي الطائفية بمشاركة قوات "الحشد الشعبي" الشيعية في معركة استعادة الموصل في الوقت الذي ترفض فيه بغداد مشاركة حشود سُنية أخرى كـ"الحشد الوطني" أو "الحشد العشائري".

ودائمًا ما تستغل قوات الحشد الشعبي الشيعية الحرب ضد "داعش" في ممارسات طائفية تتمثل في اعتقال المدنيين السنة الفارين من المدينة المحررة من "داعش" وتعذيبهم بتهم موالاة "داعش" وقد ظهر ذلك بوضوح مع اعتقال المئات من المدنيين السُنة الفارين من مدينة الفلوجة بعد استعادتها من "داعش".

ومن ناحية أخرى، تصاعدت حدة الغضب في أوساط التركمان المقيمين في تركيا بسبب تهجير تركمان العراق إثر سيطرة الجماعات المسلحة على الموصل وبلدات عراقية أخرى, بعد انسحاب الجيش منها, ودعوا الحكومة التركية إلى التدخل لحمايتهم.

وحث التركمان الحكومة التركية على العمل على وقف استهدافهم بالقتل والترحيل، خاصة بعد اغتيال عضو اللجنة التنفيذية في الجبهة التركمانية العراقية رئيس المجلس البلدي لمدينة كركوك منير القافلي برصاص مسلحين.

تركيا تعلم جيدًا برغبة عدة أطراف بعرقلة مشاركتها في المعركة حتى لا تكون لها كلمة في مستقبل العراق، بينما تسعى هي بكل ما تستطيع للمشاركة بنفسها إضافة إلى القوات التي تشرف على تدريبها في معسكر بعشيقة، أي قوات الحشد الوطني الذين تقدر أعدادهم بحوالي 3000 إضافة لحوالي ألفين من البشمركة العراقية على أقل تقدير.

الحكومة العراقية الطائفية ومعها النظام الإيراني يعلمان أن الأمر يتعلق بمرحلة ما بعد داعش، باعتبار أن من سيشارك في عملية "التحرير" سيساهم في صياغة التركيبة المجتمعية للموصل والسياسية للعراق مستقبلا، ولذلك فثمة حرص شديد من مختلف الأطراف على المشاركة في العملية، بدءا من الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي مرورا بالحشد الوطني والبشمركة العراقية وصولا إلى التحالف الدولي وتركيا وحتى حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي يضفي على المشهد تعقيدات بالغة.

المصدر المفكرة الاسلامية

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top