0

في ساحة المعركتين السياسية والعسكرية في غوطة دمشق الشرقية تعددت أطراف القتال، لكن في ساحة المعركة الإنسانية بقي جنود الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) يقاتلون وحدهم.

فالمنطقة التي يعيش فيها نحو 400 ألف مدني، أطبق الحصار على جميع مكونات الحياة فيها منذ 5 سنوات، من طرف قوات النظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين و"حزب الله" اللبناني.

"الخوذ البيضاء" في سوريا هي رسمياً أطقم الوقاية المدنية السورية، وتعمل في مناطق الحرب التي يتم استهدافها من طرف النظام، للتسبب بأكبر الخسائر عبر قتل المدنيين والقضاء على عمل المساعدين المتطوعين.

.

والغوطة الشرقية أصبحت منذ عام 2012 معقلاً للمعارضة السورية المسلحة، وتعرضت منذ ذلك الوقت لحصار محكم فرضته قوات النظام؛ ممَّا تسبب في أزمة إنسانية خطيرة.

هذا الأمر ازداد سوءاً بعد أن كثفت قوات النظام السوري هجماتها بالبراميل المتفجرة وقذائف المدفعية، وشتى أنواع الأسلحة الأخرى، منذ الاثنين الماضي، إذ تجاوز عدد الهجمات، خلال الفترة المذكورة، 260 هجمة.

وفي ظل استمرار القصف وتزايد أعداد القتلى والجرحى في المنطقة السورية المنكوبة، يحارب رجال الدفاع المدني بما يتوفر لديهم من معدّات طبية، وما تبقى لهم من إمكانات، في محاولة لإغاثة آلاف العائلات هناك وإسعافهم.

.

لكن الحصار المفروض على المدينة منذ 5 سنوات يشكل حاجزاً أمام عمليات أفراد "الخوذ البيضاء" الذين يصلون الليل بالنهار، وسط ضعف الإمكانات، وانقطاع الدعم وتقاعس الداعمين.

ومدن الغوطة وبلداتها المدمرة تضم في جنباتها حارات سويت بيوتها بالأرض، وتعجز أكبر آلات إزالة الركام أمامها، لتكون شاهداً على ما تعانيه الغوطة الشرقية، في أشرس هجمة للنظام على آخر معاقل المعارضة وأكثرها قرباً من دمشق.

إذ إن استمرار القصف لليوم السادس على التوالي، يحرم أكثر من 400 ألف سوري مدني يعيشون في الغوطة من الإمدادات العلاجية والخدمات الطبية والإغاثية والتعليمية.

.

-المُغيث يستغيث

في أكثر من مناسبة خلال 5 سنوات من الحصار والقصف الذي لم يتوقف إلا نادراً، استغاثت منظمة "الخوذ البيضاء" بالمنظمات الدولية، من أجل تقديم الدعم لإنقاذ 200 ألف طفل يعيشون بالغوطة الشرقية في ظروف سيئة.

"الخوذ البيضاء" وعلى لسان مديرها رائد الصالح، دعت المجتمع الدولي إلى التحرك لتفادي وقوع كارثة إنسانية في الغوطة الشرقية، إذ يقول: إن "الضغط على أولئك الذين يحاصرون السكان المدنيين (نظام الأسد وحلفاؤه) يجب أن يزداد".

كما دعا الصالح عدة مرّات، كانت إحداها في تصريحات لـ"دي دبليو" الألمانية، إلى وجوب فتح ممرات إنسانية في المناطق المحاصرة، وكذلك السماح بإجلاء الحالات الطبية الطارئة حال وقوعها.

ويطالب بدعم دولي إضافي لعمل "الخوذ البيضاء"، بحيث تساعد وحدات التدريب الإضافية والتجهيزات للعاملين المتطوعين في إنقاذ حياة الناس وتقوية عمل الفرق في مناطق الأزمات، مؤكداً أنهم يعيشون "في ظروف غير إنسانية".


وتطالب "الخوذ البيضاء" منذ سنوات بوقف العمليات العسكرية وإيجاد حل لحماية السكان المدنيين من العنف، لكن الواقع مختلف من ناحية اختراق نظام الأسد الهدنات والاتفاقات التي يتم التوصل إليها بشأن إنهاء القتال وإغاثة المحاصرين.

وتشكل الغوطة الشرقية إحدى مناطق "خفض التوتر" التي تمّ الاتفاق عليها في محادثات العاصمة الكازاخية أستانة في 2017، بضمانة كل من تركيا وروسيا وإيران، وهي آخر معقل للمعارضة قرب العاصمة.

وفي مسعى لإحكام الحصار كثفت قوات النظام بدعم روسي عملياتها العسكرية في الأشهر الأخيرة، ويقول مسعفون إنّ القصف طال مستشفيات ومراكز للدفاع المدني.

وتشدد المنظمة الإغاثية دائماً على أهمية فتح معبر إنساني لإجلاء الحالات الطبية المستعجلة، وكذلك فتح معبر تجاري لضمان استمرار دخول المواد الغذائية والطبية، بما يضمن إعادة الحياة لهذه المناطق.

.

-تضييق تحت النار

نائب رئيس المنظمة الإغاثية، عبد الرحمن المواس، أعلن بعد يوم من بدء الهجمة الشرسة المتواصلة على الغوطة الشرقية، أن العاملين في مجال الدفاع المدني في مناطق المعارضة السورية، يعانون من نقص كبير في التمويل.

وقال المواس في اختتام لقاء في باريس مع أحد مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "نعمل على وضع موازنتنا لعام 2018، وانخفضت بمقدار ستة ملايين دولار"، مضيفاً أن أمريكا وبريطانيا كانتا أبرز المساهمين في التمويل عام 2017.

المواس اعتبر أن "خفض الموازنة من 18 إلى 12 مليون دولار سيجبر الخوذ البيضاء على عدم قبول متطوعين جدد"، مشيراً إلى أنها فقدت 218 متطوعاً منذ عام 2013، في حين أصيب 500 آخرون خلال الفترة نفسها.

وأوضح المواس أن المعارك المتواصلة في الغوطة الشرقية يمكن أن تؤدي إلى أزمة إنسانية مشابهة لتلك التي شهدتها حلب خلال حصار أحيائها الشرقية، في ديسمبر 2016.

.

واتهم النظام السوري "باستهداف المستشفيات، وهذا ما حدث بالسابق في حلب"، مضيفاً في كلامه عن الغوطة الشرقية: "لم يبق لديهم سوى القليل من المواد الغذائية وأسعارها غالية جداً".

وتم ترشيح "الخوذ البيضاء" لجائزة نوبل للسلام الماضية، لكنهم لم يُوفّقوا، إلا أن عناصر الدفاع المدني، البالغ عددهم نحو 3 آلاف متطوّع، بينهم 78 امرأة، حصلوا على إشادة عالمية بتضحياتهم.

وفي سبتمبر 2016 اختارتهم المنظّمة السويدية الخاصة "رايت لايفليهود" لمنحهم جائزتها السنوية لحقوق الإنسان، التي تعد بمنزلة "نوبل بديلة"، مشيدة بشجاعتهم الاستثنائية، وتعاطفهم والتزامهم الإنساني لإنقاذ المدنيين من الدمار.

المصدر الخليخ اونلاين

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top