0
نظام الملالي في إيران اتبع سياسة تأميم الدول التي احتلها، وذلك بمصادرة السلطات وقراراتها وتجاربها، واختزلها بنسخة إدارية مختلفة وطاقم عمل وقوانين وإجراءات متطابقة؛ لذلك فإن أنظمة كالتي في العراق وسوريا مهما حاولت الدفاع عن سيادتها ومحتواها الوطني ورفضها لمفردة الاحتلال الإيراني إلا أنها من باب إسكات التأنيب الداخلي ترتضي لسياساتها أن تتعفن في العلب القديمة بحجة الحفاظ عليها من تقلبات الأحداث والزمن.

أين هو الاحتلال الإيراني؟ هل رأيتم دخول قوات عسكرية إيرانية إلى العراق وسوريا؟ من رأى منكم فصيلا من القوات الإيرانية فليخبرنا لنقاتله حتى نخرجه من حدودنا. بمثل هذه الطروحات يغلق قادة الميليشيات الباب على كل من يسألهم عن هيمنة إيران على القرار السياسي المفترض أن يكون وطنيا ومستقلا.

لكن هل تحتاج إيران إلى جيوش نظامية لاحتلال الدول والتمدد في أراضي الغير مع الانتماء المطلق للولي الفقيه بما يعنيه من ضرب الحدود بعرض الحائط وتقزيم الحياة كليا لتنفيذ رغبات المرشد الديني الذي يتربع على عرش السلطة السياسية، وبها يمتلك مصادر التشريع وبرامج الرهانات الكبرى على دور العقائد في خرق منظومات الفكر السياسي حتى في الدول الحديثة ولو من باب العمليات الإرهابية.

الميليشيات تبرر عمليا نفيها وجود قوات نظامية إيرانية لأغراض الاحتلال التقليدي، لأنها ببساطة تؤدي واجبات الاحتلال لكن بالجنسية الوطنية وتلك هي الخيانة العظمى. ما يطبع الجرائم والإبادات بسلوك الاحتلال الإيراني هو توفر أدلة الاتهام في المذابح المتتالية وببصمات أصابع واحدة في جميع المدن المستهدفة.
إذا وضعنا الغوطة الشرقية مع الموصل القديمة على طاولة واحدة، فإننا سنقرأ الإسراف في العنف وعشوائية إطلاق النار من الأسلحة الثقيلة غير المقيدة، بما يرسم خارطة للعمليات العسكرية وحركة آليات السياسة للمحتل الإيراني ونظامه، وأيضا ما يتحرك معها من آليات السياسة الدولية التي ستنتهي بملامح التقاء الأهداف للدول الفاعلة عند نقطة لا علاقة لها بمصير الشعب السوري أو العراقي أو أي شعب آخر.

الغوطة الشرقية شهدت في 21 أغسطس من العام 2013 الضربة الكيميائية بغاز السارين في مجزرة تخطت خط الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الأحمر، ومهدت لتلك الرواية متراكمة الفصول للسلاح الكيميائي.

الآن هل نحن بصدد هجوم كيميائي آخر أم أن الإبادة في الغوطة الشرقية ماضية في حصد الأبرياء بعيدا عن إثارة رد فعل المجتمع الدولي مجددا على تهور النظام في تكرار حماقة الكيميائي، وتحديدا بعد مؤتمر باريس وتعهد الدول المشاركة بعدم إفلات المتورطين من العقاب رغم الفيتو الروسي لمرتين في مجلس الأمن الدولي لمنع تجديد عمل الخبراء الدوليين المكلفين بالتحقيقات.

الجهات المعنية بمراقبة السلاح الكيميائي رصدت أكثر من 30 هجوما كيميائيا في سوريا قبل هجوم الغوطة الشرقية، والخط الأحمر للرئيس أوباما جاء نتيجة لتكرار الهجمات الكيميائية المحدودة قبل المجزرة؛ لكن مصادر التحقيقات الدولية تجاهلت ما هو أهم وذلك في التحقيق مع الخلية المجهولة التي أعلنت وزارة دفاع العراق القبض عليها في بداية يونيو 2013 أي قبل الهجوم على الغوطة الشرقية بمدة قصيرة.

المعلومات المتوفرة اتهمت الخلية المذكورة بامتلاك أجهزة خاصة بالسارين وغاز الخردل وغيرهما ثم اختفت نتائج التحقيق بمجرد الانتهاء من عرض أفراد المجموعة المقنعة رؤوسهم في أجهزة الإعلام بصحبتهم أجهزة واضح عليها أنها مصممة ومصنعة حديثا.

الحقيقة تختفي في سذاجة الطروحات الأمنية في العراق، بما يدلل على أن الخلية الإرهابية عمل مخابراتي مدبر لتشتيت الانتباه عن الكيميائي السوري لما بين العراق وسوريا من وحدة موضوع الاحتلال الإيراني.

قبل أيام أعلنت قوات الحماية الكردية تعرضها لغاز الكلور بما بدا عملية تنسيق وتخادم مع النظام الحاكم في سوريا، اتضحت نتائجها في تسريع التقارب بين الطرفين ودخول قوات النظام إلى عفرين مباشرة؛ رغم الإخراج السيء.
عموما ما تم العثور عليه أو تسجيله كاستخدام لغازات وأسلحة كيميائية لدى تنظيم داعش، أو المجموعات المسلحة في الموصل أو الرقة أو المدن الأخرى، لا يعدو أن يكون إلا تكتيكا مقحما ولا أهمية له في ميزان الاشتباكات من ناحية إيقاع الخسائر أو حسم النزاعات كما هو متوقع.

أما الهجمات الإستراتيجية فهي ملكية صرفة للنظام السوري، بما يدفعنا للقول بعد كل المعارك في العراق وسوريا إن التنظيمات الإرهابية ومنها تنظيم الدولة الإسلامية قدمت خدمات صريحة للنظام الحاكم في سوريا ومن يقف خلفه، لإيجاد مبررات الإفلات من العقاب وتوجيه الانتباه إلى عمليات متخلفة علميا وتقنيا بديلا عن الجهات المنفذة للهجمات النوعية كالتي حدثت في الغوطة الشرقية وخان شيخون.

بعد انتهاء المعارك وتدمير الموصل، القديمة منها بالذات، وبإحصاء جثث القتلى لتنظيم الدولة الإسلامية المتناثرة في الأحياء والبيوت المنهارة قياسا إلى جثث الأبرياء من أهلنا في الموصل تأكد أنهم لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة، بما يعني أن تهويل أعداد المقاتلين في التنظيم وفر فرصة القتل المريح والتهديم لكل الأطراف بما يتناسب ورؤية النظام الإيراني في سياسة الانتقام واللامبالاة بأرواح الناس في المدن المطلوبة أساسا للترويع والتهجير في قرار الإزالة من أي دور وطني في المستقبل القريب.

في الغوطة الشرقية وبذات المبررات، ونعني بها القضاء على الإرهاب وفق الرؤية الروسية الإيرانية السورية، تناثرت جثث الأطفال والنساء تحت قصف البراميل المتفجرة والمدفعية والدبابات لأنهم كما يبدو لا يشكلون جزءا من المجتمع المتجانس مع النظام السوري الحاكم الذي ارتضى لنفسه أن يتحول لأداة تجمع التواقيع المؤيدة لشرعية بقائه بين قواعد جيوش المحتلين وشركاتهم الأمنية السرية وميليشياتهم متعددة الجنسيات.

حصار المدن بالتجويع والقصف العشوائي للمدنيين وبكافة الأسلحة وتدمير البنى التحتية وإخراج مراكز الرعاية الطبية والمخابز من الخدمة، هي مشتركات الخدمة الإيرانية للحفاظ على أمن إيران القومي بعيد المدى. الأمن الذي تجاهل انتفاضة الشعب الإيراني ضد الفقر والجوع وتبديد الثروات.

هل كانت صور الموصل القديمة والغوطة الشرقية وما أصابهما مجرد إشارات تلويح بعصا النظام كعبرة لمن اعتبر من المحتجين الإيرانيين، إضافة إلى استعراض تضحيات ميليشياته كرسائل ولاء استباقية في صراعاته المقبلة التي يصرف بها إخفاقاته الداخلية سياسيا واقتصاديا بصناعة الأزمات، والتوكل عليها لإطالة فترة نظامه وإدامة وتشغيل أكبر عدد من أذرعه الميليشياوية الداعمة لسياساته التخريبية.

المصيبة في الواقع السياسي أن الكل يتشبه بالنظام الإيراني في العمل السياسي والعسكري في المنطقة، وذلك بسياسة النأي بالنفس لتقليل الخسائر من خلال أذرع ميليشياوية تختلف في التركيبة والمكونات والأهداف الخاصة، لكنها تشترك في تعليبها بعلب لماركات قديمة تناوشها العفن وطاردتها أقدام الشعوب منذ أمد بعيد بما تستحق.

المصدر العرب - حامد الكيلاني

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top