0
إن كان أكثر أهل اليسار العربي، من مخلّفات الحرب الباردة، وما تلاشى من أحزاب شيوعية ومنظمات اشتراكية، متفقين اتفاقاً مبرماً لا خرق فيه، على أنّ ما يجري في آخر صولات الدمار والهمجية في حلب، إنما هو تطهير للمدينة من «داعش» وأقرانه من الإرهابيين، ومن عاونهم من بعض دول الخليج وتركيا، فإنهم لا مشاحة حائرون. أجل، الرفاق حائرون في شأن الأحق في نسبة هذا الانتصار إليه. فحين لم يعد ثمة شعب سوري يُنسب إليه شيء أو مهمة سوى أن يكون ضحية أو مشرداً أو معتقلاً برتبة ميّت".

لا بد من البحث عمن يكون قميناً بالنصر الإلهي. نعم الإلهي، فهؤلاء الرفاق الحائرون، حسموا تكتيكياً حيرتهم الميتافيزيقية، وأزاحوا الأيديولوجيا الماركسية عن ماديتها وجدليتها، وعزموا على التحالف مع أكثر أشكال الحكم ثيوقراطية واستبدادية، وأغمضوا عيونهم عن الإعدامات اليومية التي تحصل في أكناف دولة الولي الفقيه، ثم راحوا يسقطون من حساباتهم «المبدئية» التصورات الإثنية والطائفية، فرضوا أن يكونوا بيدقاً في ما يعرف بـ «التحالف الشيعي»، ما دام «التحالف السنيّ» الذي تموّله دول الكراهية، يمالئ «داعش» وهذا محض وهم أنتجه «ديالكتيكهم» المعاق.

والرفاق حائرون في عدد الضحايا اللازم كي يطلقوا على حلب «ستاليننغراد»، فمنهم من يرى أن المدينة يتعين أن تُدمّر عن بكرة أبيها، ومنهم من يكتفي بالدمار الحاصل الآن، ويقترح أخذ من تبقى فيه نَفَسٌ، لا سيما النساء، إلى معتقلات النظام الذي أبلى جيشه بلاء حسناً وهو يلمع أحذية الجنود الروس، ويُغدق امتناناً على ذخائر «حزب الله»K ويرش الماء أمام الدبابات الإيرانية والعراقية كي يرفع كفاءتها وهي تحول المباني في حلب إلى ركام خالص في رمشة عين.

فمن حق «حُماة الديار» أن يرفهوا عن أنفسهم كيلا تُصاب بالقنوط وتفتر عزيمتها، لا سيما أن مهمات هؤلاء «الحُماة» لن تنقطع، وعليهم أن يظلوا مرابطين على ثغور مهماتهم السابقة الذكر، حتى تتحرر سورية كلها من شعبها الإرهابي! الرفاق حائرون، وتزداد حيرتهم حول من يستحق أن يضعوا صورته على بروفايلاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، فمنهم من جادل في شأن صور بشار، وآخر في صورة حسن نصرالله، وثالث في علي خامنئي، فما كان من أكثرهم، وهم غلاة اليساريين، إلا أن وضعوا صورة بوتين بوجهه الضئيل المتعجرف.

وقد يظن واضعو هذه الصورة أن «سيد» الكرملين حرر للتو القدس، هؤلاء الرفاق من شبيحة اليسار العربي الذين عانى بعضهم من ويلات الاســـتبداد، أقفلوا دائرة آلامهم، وراحوا يهتفون للطغاة، ويبرقون إليهم مهنئين بـ «النصر» وبأن سورية "المقاومة والممانعة" ستعود «كما كانت» حرة أبية عصية. فيدرك المرءُ حينئذ أنّ الرفاق متفقون على كل ما هو غيبي وسقيم من التحليل والتفكيك والربط المنطقي بين الوقائع العارية على الأرض، لكنهم حائرون في الكيفية التي سيحتفلون فيها، عندما تتحرّر سورية من البشر والشجر والهواء.
موسى برهومة - صحيفة الحياة

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top