0

لن تتوقف تداعيات إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، عند التوترات السياسية والأمنية، فأضرار اقتصادية كبيرة ستلحق بالولايات المتحدة إثر القرار.

ويرى سياسيون ومراقبون اقتصاديون أن حالة الغضب العارم التي أشعلها قرار ترامب لدى الشعوب العربية والإسلامية ستجعل المصالح الاقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط ومناطق ودول كثيرة بأنحاء العالم في مرمى حملات المقاطعة الشعبية، وربما الرسمية أيضاً، وهو ما سيعرضها لخسائر مالية هائلة.

ويؤكد المراقبون أن المصالح الأمريكية ستكون عرضة للمخاطر الأمنية أيضاً، خاصة في ظل حالة اليأس والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة، والصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات.

وفي هذا الصدد، يقول القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إسماعيل رضوان، إن اعتراف الولايات المتحدة بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل "سيفتح أبواب جهنم على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط".

ويشدد رضوان، في تصريح صحفي وصل "الخليج أونلاين" نسخة منه، على ضرورة أن تقطع الحكومات العربية والإسلامية العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الإدارة الأمريكية، وتطرد سفراء واشنطن لإفشال قرار ترامب بشأن القدس.

ويرى المستشار الاقتصادي، عبد التواب بركات، أن قرار ترامب سيؤثر بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة العربية والدول الإسلامية؛ لما للقضية الفلسطينية من منزلة دينية وقيمة عالية في نفوس العرب والمسلمين.

ويقول بركات في حديث لـ"الخليج أونلاين": إن "سياسة مقاطعة المنتجات الأمريكية التي نشطت قبل عقدين من الزمن ونجحت في إفلاس بعض الشركات بعد خسارتها لنصف مبيعاتها سوف تعود وتنشط مرة أخرى بعد قرار ترامب بشأن القدس".

ويشير إلى أن المقاطعة الاقتصادية ستنشط في ظل وجود فتاوى دينية سابقة بجواز استخدامها كإحدى طرق المقاومة السلمية، وفي نفس الوقت وجود فتاوى أخرى تُحرم شراء منتجات الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويتوقع بركات مشاركة أعداد هائلة من العرب والمسلمين في منطقة الشرق الأوسط وخارجها وبمختلف توجهاتهم، بحملات المقاطعة الاقتصادية الشعبية، ما سيضاعف خسائر الشركات الأمريكية العاملة بالمنطقة وخارجها.

ويرى أن وجود المنتجات البديلة، وتفاعل الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، سوف يزيد حملات المقاطعة الاقتصادية تأثيراً.

وعقب إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، الأربعاء، وجهت العشرات من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات لمقاطعة المنتجات والشركات الأمريكية والإسرائيلية واستبدالها بالبضائع العربية والإسلامية.

ولاقت تلك الصفحات رواجاً وتفاعلاً كبيراً بين الآلاف من الناشطين على مواقع التواصل في دول عربية وإسلامية.

كما يعتقد الخبير الاقتصادي أن حملات شعبية لمقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية سوف تنشط أيضاً في الدول الأوروبية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية.

ويؤكد أن المقاطعة ستطول قطاعات أخرى؛ مثل رحلات السياحة والعلاج، والمؤتمرات والأنشطة الأكاديمية أيضاً، وهو ما سيتسبب بأضرار كبيرة للاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة.

ووفق بيانات مكتب الإحصاءات الأمريكية، فإن حجم تجارة الولايات المتحدة مع الدول العربية والإسلامية الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، البالغ عددهم 57 دولة، خلال العام 2016، بلغ نحو 224.5 مليار دولار.

واستقبلت الأسواق العربية والإسلامية ما قيمته 102 مليار دولار عام 2016 من الولايات المتحدة، فيما استقبلت السوق الأمريكية ما قيمته 122.4 مليار دولار، أي بفائض تجاري لصالح الدول العربية والإسلامية مجتمعة قيمته 20.3 مليار دولار، وفق ذات البيانات.

وأشارت الإحصاءات الأمريكية إلى أن حجم تجارة الدول العربية وحدها مع الجانب الأمريكي خلال العام 2016 بلغ نحو 105 مليارات دولار.

وأوضحت أن إجمالي الصادرات الأمريكية للأسواق العربية بلغ 64.2 مليار دولار، فيما قدر حجم الواردات من الدول العربية بنحو 40.7 مليار دولار؛ أي إن الولايات المتحدة حققت فائضاً تجارياً قيمته 23.4 مليار دولار.

ولا يتوقع الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، أن تتأثر المصالح الأمريكية بالمنطقة على الصعيد الرسمي، بسبب تبعية الحكومات العربية للولايات المتحدة، وعدم قدرتها على اتخاذ قرار موحد ضد واشنطن.

لكن الصاوي، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، يرى أنه على مستوى الشعوب العربية والإسلامية ومؤسسات المجتمع المدني، يمكن أن تتكرر تجارب المقاطعة الاقتصادية التي مورست في مطلع الألفية الثالثة تجاه الشركات الأمريكية والدول الداعمة لإسرائيل، وهو ما سيتسبب بآثار اقتصادية سيئة للولايات المتحدة.

ويشير إلى ضرورة أن تشمل حملات المقاطعة الاقتصادية للولايات المتحدة، زيادة التعاملات البينية بين دول العالم الإسلامي، وهو ما سيسمح بتقوية اقتصاد الدول والمؤسسات الإسلامية ويساعدها على منافسة أمريكا ومؤسساتها.

ويؤكد الكاتب والباحث الاقتصادي أن المقاطعة الاقتصادية إحدى أدوات التأثير في القرار الأمريكي وليست الأداة الوحيدة.

وفي الشأن ذاته أكد خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، في بيان له، أن قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، من شأنه أن يترك آثاراً سلبية على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين القطاع الخاص العربي والأمريكي، ويؤثر بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية الأمريكية بالمنطقة العربية.

وقال حنفي: إن "القرار يعد خرقاً لكل قرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة ويتعارض مع القوانين الدولية، ويتجاهل مشاعر جميع المسلمين والمسيحيين في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يصب في مصلحة عملية السلام، ويدمر الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية، ويؤجج العنف والتطرف بمنطقة الشرق الأوسط".

من جانبه، أكد سفير فلسطين السابق لدى مصر، بركات الفرا، أن تبعات القرار الأمريكي ستتواصل "لتشعل نار جهنم في المنطقة العربية، وليس باستطاعة دولة مهما كان حجمها احتواء فتيل الأزمة المنتظرة".

وقال الفرا، في تصريحات صحفية: إن "المصالح الأمريكية في المنطقة لن تكون بمأمن من الأزمة المقبلة، حتى لو تصرفت الأنظمة والحكومات العربية بعقلانية وحكمة مع القرار المتغطرس، لأن القدس قضية إسلامية من الأساس".

يشار إلى أن المنطقة العربية شهدت حملة مقاطعة قوية للمنتجات والشركات الأمريكية عام 2000، كرد فعل على دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، آنذاك.

وقدرت تقارير إعلامية، في ذلك الوقت، حجم الخسائر الفعلية للشركات الأمريكية من جراء حملة المقاطعة في العام 2002 وحده، بنحو 250 مليون دولار.

وفي العام 2001، انخفض حجم أرباح شركة "أمريكانا" بنسبة 10%، فيما خسرت شركات "ماكدونالدز"، وشركات المياه الغازية، وفي مقدمتها "كوكاكولا"، نحو 80% من زبائنها نتيجة حملات المقاطعة.

وقدر إجمالي خسائر "ماكدونالدز"، بسبب حملة المقاطعة تلك، بنحو 810 ملايين دولار، واضطرت الشركة لإغلاق 719 مطعماً من فروعها المنتشرة حول العالم.

المصدر الخليج اونلاين

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top