0
ما زال صدى القانون الذي أصدره رأس النظام "بشار الأسد" والذي حمل الرقم (10)، يرخي بظلاله على المشهد السوري، مرتبطاً بعملية التهجير القسري من الغوطة الشرقية من دمشق، وما سبقها من تلك العمليات التي بدأت في حمص عام 2014.

ويقضي القانون "بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012." بحسب التمهيد الرسمي للقانون.
وينظر متخصصون وحقوقيون سوريون، على أن هذا القانون يأتي في إطار استكمال النظام لعملية التغيير الديمغرافي التي ينتهجها في البلاد، بعد طرد الآلاف من السوريين من مدنهم وقراهم خلال عمليات التهجير وآخرها الغوطة، وإجبار الملايين منهم على النزوح واللجوء بسبب القصف المستمر، والحملات العسكرية على المدن والبلدات السورية من قبل النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين، وأنه يأتي في إطار تمليك عناصره وعناصر حلفائه كمكافأة على المساندة والدعم طيلة الأعوام الماضية، ولاسيما الإيرانيون والميليشيات الطائفية المرتبطة بهم.

ثلاثون يوماً قبل أن تفقد عقارك
وتشير الفقرة (أ) من المادة الخامسة للقانون على "طلب الوحدة الإدارية خلال مدة أسبوع من تاريخ صدور مرسوم إحداث المنطقة التنظيمية من مديرية المصالح العقارية ومديرية السجل المؤقت أو أي جهة عامة أجاز صك إحداثها مسك سجلات توثيق الملكيات إعداد جدول بأسماء أصحاب العقارات مطابق للقيود العقارية أو السجل الرقمي متضمنة الإشارات المدونة على صحائفها". أي أنه في حال إحداث منطقة تنظيمية جديدة في مدينة أو قرية من المدن أو القرى التي تركها سكانها، يُلزم القانون أهلها بإعادة إثبات ملكيتهم للعقارات داخلها، وإلا فإنه سيكون متاحا لمن يأتي بإثبات مزور الاستحواذ على العقار.

وتقضي الفقرة (أ) من المادة السادسة للقانون "بدعوة الوحدة الإدارية خلال شهر من صدور مرسوم إحداث المنطقة المالكين وأصحاب الحقوق العينية فيها بإعلان ينشر في صحيفة محلية واحدة على الأقل وفي إحدى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والموقع الالكتروني لها وفي لوحة إعلاناتها ولوحة إعلانات المنطقة للتصريح بحقوقهم وعلى هؤلاء وكل من له علاقة بعقارات المنطقة التنظيمية أصالة أو وصاية أو وكالة أن يتقدم إلى الوحدة الإدارية خلال ثلاثين يوما من تاريخ الإعلان". أي أن كل المالكين في منطقة تنظيمية يتم إحداثها، عليهم إثبات ملكيتهم للعقارات العائدة لهم خلال مدة ثلاثين يوماً، وإلا فإن حقوقهم ستكون مهددة بالضياع والاستيلاء عليها من قبل الغير.

قانون لتكريس التغيير الديمغرافي
ويحاول النظام تكريس عملية التغيير الديمغرافي بإشراف ومخطط إيراني للهيمنة على معظم المناطق الحيوية، ولاسيما دمشق ومحيطها، حيث تطمع إيران تاريخياً وعقائدياً بالعاصمة "الأموية" وتحاول الهيمنة عليها دينياً، وثقافياً، واقتصادياً، بإطار عسكري.

وليس أهالي محيط دمشق هم فقط من سيتضررون من هذا القرار، بل كل من ترك منزله أو أي عقار يملكه في رحلة الفرار الموت من المدن والبلدات السورية كحمص القديمة وأحيائها (الوعر، البياضة، بابا عمر، الخالدية) بالإضافة لأحياء شرق مدينة حلب بالكامل، ومعهم مدن وبلدات الريف الدمشقي (داريا، المعضمية، الزيداني، مضايا، وادي بردى، وحيي القابون وجوبر، والغوطة مؤخراً). التي هجر أهلها في بإطار التغيير الديمغرافي الذي يعتمده النظام.

ويرى القاضي العقاري (عبد الله الخلف) "أن جملة القوانين التي يصدرها النظام مؤخراً، هي لترقيع قوانين أخرى لخدمة مصالحه وتوسعه، كما في القانون رقم (10) الذي جاء ليرقع المرسوم رقم (66) لعام 2012".

وأضاف: "النظام يملك بسلاح التدمير والقتل وبالتالي التهجير، أن يجرد السوريين من حقوقهم وأملاكهم أكثر مما يملكه في القانون، وهو ليس بحاجة لإبرام القوانين في سبيل ذلك، لكن صدور مثل هذا القانون يعتبر مدخلا شرعيا للدخول من هذا الباب والاستحواذ على ممتلكات السوريين".

وتابع: "لكن حقيقة إذا نظرنا إلى القانون من نظرة محايدة، فنجده قانونا جيدا من خلال تركيبته والحاجة إليه، لكن ليس بمثل هذه الظروف، فهناك العديد من المدن والبلدات أحرقت فيها السجلات العقارية، وحتى في المناطق التي لم تتعرض سجلاتها للحرق أو التلف فإنه يخشى من عمليات التزوير، وحالات التزوير كانت موجودة حتى قبل اندلاع الثورة في الظروف الطبيعية، فكيف اليوم!؟".

بين القرار والمرسوم 
ويأتي القانون رقم (10) معدلاً لـ 29 مادة من المرسوم "التشريعي" رقم (66) لعام 2012 والقاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين (مدينتين) في دمشق الأولى تضم أجزاء كبيرة من كفرسوسة والمزة، والثانية على امتداد المتحلق الجنوبي مروراً بالعسالي والقدم وصولاً إلى شارع الـ 30. وفي المنطقة الأولى تم إفراغ معظم السكان منها، لكن الثانية كان من الصعب القيام بذلك بسبب المعارك الدائرة بعد صدور القرار.

ويرى المحامي والناشط الحقوقي (رامي عساف) "اختلافاً كبيراً وخطيراً بين المرسوم (66) والقرار رقم (10) المعدل، ما يجعل القرار أكثر خطورة على مستقبل أملاك السوريين من القرار، من حيث درجة الشرعية"، حيث يوضح ذلك بالقول: "المرسوم 66 أصدره بشار الأسد بحسب الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية، والتي تعطيه حق التشريع في ثلاث حالات فقط، الحالة الأولى، خلال الفترة الفاصلة بين انعقاد دورات مجلس الشعب، الحالة الثانية، عندما يُحل مجلس الشعب، الحالة الثالثة، بعد انتهاء عمل مجلس الشعب وخلال الفترة الإعدادية للانتخابات التالية. أما القانون رقم 10 فقد صدر عن مجلس الشعب بصفته التشريعية، بمعنى أن هناك نقاشات وتداول بحضور خبراء قانونيين، وبعد الانتهاء وإقراره في مجلس الشعب أُرسل لرئيس الجمهورية لتوقيعه وإصداره".

هل يحق للأقرباء إثبات الملكية؟ 
ويضيف: "يشكل القانون الجديد مصيبة كبيرة حول حفظ السوريين لممتلكاتهم، ليس في مناطق التهجير وحسب، إنما على كافة الجغرافية السورية، فعلى سبيل المثال، في دير الزور استهدفت مديرية السجل العقاري عام 2012 والتي تضم سجلاً لكامل المدينة وريفها، ما أدى لاحتراق السجلات الورقية وأجهزة الحواسيب، ما أفقد المدينة وأهلها القيود العقارية، علماً أنه لا يوجد ربط بين الشبكة المختصة في دير الزور مع الشبكة الوطنية في العاصمة دمشق، والسجل العقاري في الدير ليس له نسخة للمعلومات الرقمية في دمشق من خلال (هاردات). ولا أعرف إذا كانت الشبكات في حلب أو حمص أو غيرها مرتبطة بالشبكة الوطنية في العاصمة أم لا، لكن أنا أحدثك كمحامي كنت أمارس المهنة في دير الزور، فأؤكد أنه ليس هناك ربط وهذا يعني ضياع الممتلكات بعد الحرق أو التلاف".

ويتابع: "أنا أختلف مع كل الخبراء الذين يصنفون صدور القانون كإجراء حسن نية، معللين ذلك بالسماح للأقارب حتى الدرجة الرابعة بإثبات الملكية في حال غياب صاحب العقار، لكن إذا ما جئنا لنطبق ذلك في داريا أو الوعر وبلدات الغوطة مؤخراً، فهذه المناطق هجرت عن بكرة أبيها ليس من أحد ولا أقرباء، فبالتالي الموضوع خطيراً جداً ويجب التحرك بالنسبة لهذا القانون وغيره على مستويات عليا وطرحها على طاولات المباحثات والتفاوض".

مراسيم وقوانين مشابهة
وقبل القانون رقم (10) كان بشار الأسد قد أصدر القانون رقم (3) في شباط 2018 الذي يتعلق بإزالة أنقاض الأبنية المدمرة، بحيث يتم جمع الأنقاض ويتم حسابها ووزنها ومعرفة أصحابها في كل حي أو قرية أو مدينة، ثم بيعها وتوزيعها على أصحاب هذه العقارات، وذلك من كشافين وفنيين ولجان مختصة تتبع للمحافظ. ويرجع قانونيون أن إصدار هذا القانون يأتي تمهيدا للقانون رقم (10)، وذلك كمدخل لإحصاء من تبقى من الأهالي في كل حي أو منطقة تشهد معارك ومن غادر، تمهيداً للاستيلاء على الممتلكات والعقارات التي تركها أصحابها من خلال القانون الأخير.

وأيضاً المرسوم التشريعي رقم 25 لعام 2013 (قانون أصول المحاكمات) المتعلق بطريقة الإبلاغ في الصحف الرسمية حول المحاكمات، ومن خلال هذا المرسوم يستطيع أي شخص الادعاء بأحقيته في ملكية عقار شخص آخر ونشر الإبلاغ بسطر واحد بجريدة رسمية، ومن ثم كسب الدعوة في حال عدم الرد أو الحضور.

الجدير بالذكر، أن حوالي 11 مليون سوري تركوا منازلهم في مدنهم وقراهم واضطروا للفرار من الموت تحت وابل القصف، وحتى من خلال عمليات التهجير القسري، أكثر من 5 ملايين منهم لجأوا في بلدان الجوار و أوربا وكافة أنحاء العالم، و6 ملايين نزحوا من مناطهم إلى أخرى داخل سوريا، معظمهم لا يستطيعون العودة إما بسبب القصف والمعارك، أو الملاحقة الأمنية، ومعظمهم من المعارضين للنظام، ويبدو أن النظام يسرع في وتيرة إصدار مثل هذه القوانين لتأمين عم عودتهم إلى مناطق نفوذه قبل أي حل يترك له بقعة فيما يعدها "سوريا المفيدة".

المصدر اورينت نت

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

 
Top